دراسة أمنية في هندسة الاختراق، واضطرار التوقيت، وانقلاب العلّية بين الأداة والحرب
في 17 و18 أيلول 2024 انفجرت آلاف أجهزة النداء والاتصال اللاسلكي التي يستعملها حزب الله في لبنان. أجمع المراقبون على أنها واحدة من أعقد عمليات الاختراق الاستخباري في التاريخ الحديث. غير أن الإقرار بتعقيد العملية لا يحسم سؤال اكتمالها، ومن هذا السؤال تنطلق الدراسة التي يصدرها مركز كلمة للدراسات والبحوث الجيوسياسية.
تبدأ الدراسة من مفارقة وظيفية سابقة على كلّ تسريب: القدرة التي يستغرق بناؤها عقدًا كاملًا، ولا تُستعمل إلا مرة واحدة، لا تُستهلك في لحظة يكون عائدها فيها أدنى من كلفتها. وقد أصاب التفجير الصفّ الخلفي للحزب في معظمه، وأحرق معه قناة تنصّت إسرائيلية عمرها سنوات، ومنح الخصم أيامًا لامتصاص الصدمة قبل أن تبدأ الحرب. فلماذا استُعملت أداة بهذا الحجم في لحظة لا تستقيم فيها معادلتها؟
تجيب الدراسة بحكمين متدرّجين، بعد اختبار ثلاث فرضيات متنافسة في مواجهة روايات أميركية وإسرائيلية ولبنانية متقاطعة:
- الأول: لم يكن توقيت التفجير اختيارًا حرًّا. صُمّمت الأجهزة لتكون ضربة افتتاحية في حرب شاملة، لكن اقتراب الحزب من كشفها انتزع من إسرائيل حرّية اختيار ساعة الصفر. فوقفت أمام معادلة “استخدمها أو اخسرها”، واختارت استعمال القدرة قبل فقدانها.
- الثاني: لم يأتِ التفجير داخل قرار مسبق بالحرب، بل هو الذي دفع إليها. فالتسلسل الزمني يكشف أن القرار السياسي بالتصعيد وُلد من داخل أزمة الأداة المهدّدة، وأن خطط الهجوم لحقت بالتفجير ولم تسبقه، ثم أُعيد تقديم الفعل المفروض بوصفه بداية مقصودة لحملة متدرّجة. وهذا ما تسمّيه الدراسة “انقلاب العلّية”.
وتطرح الدراسة سؤالًا افتراضيًّا يقيس بدقّة ما لم يكتمل: ماذا لو ضُغط “الزرّ الأحمر” لحظة بدء الهجوم البري؟ عندها كانت الأجهزة ستكون في أيدي المقاتلين لا الإداريين، وكان انقطاع الاتصال سيصير شللًا في القيادة والسيطرة وسط المعركة. الفارق نوعي لا كمّي: من جرح في جسد التنظيم إلى شلل في جسد المعركة.
ولا تقف الدراسة عند التحليل العملياتي. فهي تتناول الأثر المدني للعملية ووضعها في القانون الدولي الإنساني، والبعد السيادي اللبناني لعملية جعلت الأراضي والفضاء المدني اللبنانيين ميدانًا لسلاح مموّه. وتنتهي بتوصيات موجّهة إلى المؤسسات اللبنانية في أمن سلاسل التوريد والمساءلة الدولية.
خلاصة الدراسة أن العملية كانت كاملة في تصميمها، مكتملة في اختراقها، ناجحة في تفجيرها؛ لكنها خرجت من كمونها قبل اتصالها باللحظة العسكرية التي صُمّمت لها. ولهذا يصحّ وصفها، من دون تناقض، بأنها إحدى أنجح العمليات الاستخبارية في العصر الحديث، وفي الوقت نفسه: “العملية التي لم تكتمل”.
لقراءة الدراسة كاملة: