فيدرالية بلا وعي: وصفة سياسية لكارثة مؤجلة.

سوريا – قراءة تاريخية وسياسية في وهم التقسيم وشروط الدولة الممكنة

مقال – كلمة

احتدم الجدل في الآونة الأخيرة حول النظام الفيدرالي كإحدى الصيغ المطروحة  لمعالجة سياقات أزمات الحكم في عدد من الدول العربية التي تعاني من تعقيدات سياسية واجتماعية وإثنية وطائفية متجذرة. وغالباً ما تُقدَّم الفيدرالية باعتبارها “الوصفة الجاهزة” لتحقيق العدالة في توزيع السلطة والثروة، وإنهاء الصراعات والانقسامات العميقة، وتوحيد المكوّنات المختلفة تحت سقف دولة واحدة. غير أن السؤال الجوهري الذي يفرض نفسه هو: هل يمكن ببساطة نقل التجارب الفيدرالية الغربية وتطبيقها في بيئات عربية ذات تاريخ سياسي مختلف وبُنى اجتماعية هشّة؟ وهل الفيدرالية مجرد آلية إدارية وتقنية، أم أنها مشروع يحتاج إلى شروط ثقافية وتاريخية وسياسية واجتماعية معقدة ليولد ويستمر؟

وفي هذا السياق، تُطرح الفيدرالية بين الحين والآخر كخيار سياسي محتمل لحل الأزمة السورية تحديدًا بعد سقوط نظام الأسد، تأسيسًا على نماذج عالمية نجحت في تقاسم السلطة بين المركز والأقاليم الطرفية  ضمن إطار دستوري متوازن ومتجانس. لكن يبقى التساؤل قائماً: هل يمكن لهذا النموذج أن يجد مكانًا في سوريا التي أنهكتها الحرب وتعرّض نسيجها الاجتماعي والوطني لاهتزاز عميق؟ وهل ستغدو الفيدرالية في هذه الحالة مدخلًا لإعادة بناء الدولة على أسس تشاركية أقل تسلطية، أم بوابة لمزيد من التشظي والانقسام واستمرار لمنطق الصـــراع المستدام؟ هذا الخيار قد يفضي إلى نتائج كارثية، إذ إن البنية العرقية والطائفية المعقّدة للمجتمع السوري بعد احتراب أهلي طويل مع زوال نموذج مركزي سياسي صارم أمتد لما يزيد عن نصف قرن ، إضافة إلى تداخل التوزيع السكاني وانتشاره في مختلف مناطق البلاد، تجعل أي مشروع للتقسيم غير واقعي عمليًا ومستحيلًا سياسيًا. بل إن المضي في هذا الاتجاه لن يعرقل فقط فرص استعادة السلام وإعادة بناء الدولة واستعادة الاستقرار، بل قد يفتح أيضاً الباب أمام تداعيات إقليمية خطيرة تهدد استقرار الدول المجاورة وتعيد إنتاج الصراعات بأشكال أشد تعقيدًا واتساعًا وعنفا.

في الواقع، فإن اتساع النقاش حول فكرة التقسيم يستند إلى عاملين رئيسيين؛ يتمثل أولهما في تعدد المشاريع التي طُرحت خلال القرن الماضي لتقسيم سوريا، والتي اتسمت بالتنوع واختلفت في أهدافها ودوافعها. وقد انتقل بعض هذه المشاريع، كما حدث في مرحلة الانتداب الفرنسي، من حيّز الأفكار النظرية إلى مرحلة التطبيق العملي، غير أنه سرعان ما واجه إخفاقًا حاسمًا، لتعود سوريا بعدها دولة موحدة، ويتم ترسيخ هذا الكيان الجغرافي والسياسي بوصفه الإطار الذي عُرفت به البلاد منذ جلاء الفرنسيين حتى اندلاع الاحداث السورية ربيع عام  2011  كانت التجربة التقسيمية الفاشلة في حزيران/يونيو عام 1922، بعد عامين فقط من بسط الانتداب الفرنسي سلطته على سوريا، وإعادة رسمها إلى كيانات منفصلة: دولة دمشق التي ضمت حمص وحماة، ودولة حلب الممتدة لتشمل الحسكة ودير الزور والرقة، ثم دولة جبل الدروز بعاصمتها السويداء، ودولة جبل العلويين التي اتخذت من اللاذقية مركزًا، وضمّت مصياف وطرطوس. ورغم الاسم، لم تكن “دولة العلويين” حكرًا على العلويين، بل كانت لوحة سكانية متداخلة؛ ففي إحصاء عام 1923 كان فيها ما لا يقل عن 94 ألف مسلم عربي سني من سكان المدن وتركمان الريف، و34 ألف مسيحي من الأرثوذوكس والموارنة ، وخمسة آلاف إسماعيلي، إلى جانب 101 ألف علوي مع تقسيماتهم العشائرية .

ومع مرور الوقت، رأت الدولة المنتدبة فرنسا أن هذا التفتيت لا يكفي لإدارة البلاد، فاندفعت نحو نموذج آخر من الحكم، معلنة في 28 حزيران/يونيو 1922 تأسيس ما سُمّي بـ“اتحاد الدول السورية”، أو ما عُرف أحيانًا بـ“دولة الاتحاد”، ليقوم على صيغة فدرالية مستوحاة من التجربة السويسرية، تجمع بين دمشق وحلب وجبال العلويين ضمن إطار واحد، يجمعهم ظاهريًا تحت سقف اتحادي واحد، بينما تبقى تحت ذلك السقف أسئلة الهوية والسلطة والسيادة معلّقة في فضاء الانتداب الذي أستمر ربع عقد من الزمن.

العامل الثاني.. وهو الأكثر فاعلية ويتمثل بــــــــ العوامل الخارجية المانعة لتقسيم سوريا حيث تبدوا  تبدو أكثر تأثيرًا وحسمًا من العوامل الداخلية، ليس فقط لأن القوى الإقليمية والدولية أصبحت صاحبة القرار الفعلي في المسألة السورية منذ أن فتح النظام الباب واسعًا أمام التدخلات الخارجية منذ عام 2011 حتى لحظة سقوط النظام المفاجئ ورحيل رأسه إلى موسكو وتفكك جيشه، بل أيضاً لأن الفاعلين المحليين ـ بمن فيهم ورثة نظام الأسد نفسه ـ باتوا أضعف بكثير من أن يمتلكوا القدرة على توجيه مسار الأحداث أو فرض تصوراتهم على مستقبل البلاد بصورة حقيقية ومؤثرة. وإلى جانب ذلك، فإن مصالح القوى الكبرى نفسها ليست متمحورة حول خلق دول جديدة بقدر ما ترتبط بالحفاظ على توازنات أمنية واستراتيجية منضبطة، ومنع تحولات جذرية قد تخلق فراغات جيوسياسية وأمنية خطيرة، أو تشجّع نزعات انفصالية في مناطق أخرى من المنطقة. كما أن الدول المحيطة بسوريا، التي تدرك حساسية الجغرافيا السورية بالنسبة لأمنها القومي، لا تُبدي استعدادًا لتقبّل كيانات جديدة على حدودها قد تتحول إلى بؤر توتر دائمة. وبهذا المعنى، فإن الإرادة الدولية والإقليمية تميل، رغم اختلاف أجنداتها، إلى الحفاظ على إطار الدولة السورية موحدًا مركزيًا، ولو بصيغة معدّلة، بدلاً من الدفع نحو تفتيتها أو تحويلها إلى مجموعة كيانات منفصلة.

 إن ما يطبع المشهد السوري اليوم هو ذلك “التوازن الكارثي” بين قوى ومسارات تمكنت من للإطاحة بالنظام لكنها لم تتمكن من تحقيق هدفها بعد، وبين نظام عاجز من جهته عن الحسم أو إخماد الصراع نهائيًا. هذا الوضع يفرض حالة احتراب مستمرة تُبقي البلاد معلّقة بين الانهيار الكامل والاستمرار المرهق المثخن للسجد السوري كاملًا، حيث جرى تدمير المجتمع بوتيرة متصاعدة مع دخول البلد بدوامة عنف متبادل، فيما كان نسيج البلد الضارب في القدم مع تحول الثورة لصراع أهلي طويل يرزح إنهاكًا وتآكلًا من الداخل تحديدا مع تمكن الأسد من أحكام قبضة مهلهلة على مناطق أعاد السيطرة عليها من معارضيه والمنتفضين على حكمه . فــــ التدخلات الخارجية الداعمة له كانت تمنع سقوطه الفوري وتطيل عمره السياسي لكنها لم تدفع بنهايته الحتمية التي تحققت أواخر العام الماضي، الدعم الخارجي أطال في عمر احتضاره البطيء لكن التدخل الخارجي في نهاية  الأمر لم يكن على القدرة من إنقاذه من مأزقه البنيوي العميق الداخلي أساسا .

فانتازيا أثنيــــــــــــــــــة :

إن الثنائية المطروحة في سوريا بين “أكثرية” و“أقليات” وهي مصدر الحديث الدارج عن التقسيم والفدرلة المنشودة والموعودة  والحتمية في مخيلات كثيرين ، كما تُعرض عادة في إطارها السوري الـــــراهن ، تُحيل بشكل أو بآخر إلى ما يشبه “نظرية الأعراق المتقابلة”، حيث يُختزل المجتمع إلى كتلتين متواجهتين  متناحرتين عادة تُنسب لكل منهما هوية مغلقة ومتصادمة.

ورغم أن كل جماعة سورية يمكن تصنيفها ـ بهذا المعنى أو ذاك حاليا  ـ ضمن خانة “الأقليات”، بما تحمله من خصوصيات واختلافات وتشعبات عن غيرها، وبما تمتلكه في الوقت نفسه من مشتركات مع ما يُسمّى “الأكثرية المتخيَّلة” التي تنادي بها السلطة المؤقتة ، فإن الخطاب السائد يعمد قسرًا إلى دمج هذه الجماعات في سلة واحدة: تارة على أساس الانتماء الديني والعشائري ، وتارة أخرى على أساس الهوية القومية أو الإثنية، وأحيانًا عبر مزج البعدين الديني والإثني معاً لإنتاج صورة مصطنعة لوحدة كتلة “أقليّة” متجانسة .

وهكذا يُصار إلى التعامل مع مجموع الأقليات في الطيف السوري ككل كما لو أن تعدديتها الظاهرة ليست إلا خداعًا يخفي وحدة صلبة وعميقة، ذات مشروع واحد، لا همّ لها سوى مصادرة “حقوق الأكثرية” المفترضة كما روج البعض مع بداية الحرب، وعلى رأسها حق “الأكثرية” في ممارسة تفوقها الاثني ـ الديني المفترض على بقية المكوّنات وهذه سردية مهيمنة الآن. بهذه الطريقة يتحول المفهوم إلى أداة إقصاء وتجييش، لا إلى إطار لفهم واقع التنوع السوري بوصفه مصدر ثراء لا ذريعة للهيمنة أو التخويف والاقتتال. لكون الجغرافيا المذهبية في العالم العربي، وفي سوريا على نحو خاص، تكشف هشاشة الارتكان إلى مفهوم “الأكثرية” كما تُطرَح في الخطابات السياسية ما بعد سقوط النظام على سبيل المثال خطاب السلطات المؤقتة، مثلما تُفشل الاحتماء المبالغ فيه بمفهوم “الأقلية” كخطاب دعاة التقسيم. فالتعامل مع الأعداد والجماعات البشرية بوصفها حاملًا ثابتًا للشرعية أو الهوية أمر مضلل للغاية  في كثير من الحالات فما بال القارئ في بلد معقد كسوريا ، لأن العدد هنا لا يدل دائمًا على المعنى نفسه، ولا يحمل القيمة والدلالة  ذاتها في كل سياق. فقولنا مثلاً إن “أكثرية مسلمي شمال إفريقيا من أهل السنّة”، ثم قولنا في السياق ذاته إن “أكثرية مسلمي المشرق العربي من أهل السنّة”، لا يعني بحال أننا أمام الواقع نفسه أو البنية الاجتماعية والسياسية ذاتها فهل هم سنة أحناف أم مالكية، حنابلة، شافعية، وهذا ولم ندخل بعد في تشعبات التصوف الإسلامي كمثال ولا بالوهابية كمحور. فالمسألة ليست مرتبطة فقط بالحساب الديمغرافي والإحصاء العددي ، وإنما بمعنى هذا العدد، وبالشروط التاريخية والثقافية والسياسية التي تمنحه دلالته وتأثيره وبل حتى تشكله وهذا بالضبط ما يهيمن على الطريقة التي تُقدَّم بها الحالة السورية منذ اندلاع الحرب وحتى اليوم، حيث تُفرض علينا قراءة مُكثّفة ومستمرة تقوم على هندسة وهمية للمجتمع، لا سيما بعد سقوط نظام الأسد وصعود نظام آخر يقوم على الاستيلاء والقوة العارية، ويستمد ما تبقى له من “شرعية” من قدرة تنظيمات متطرفة ـ على رأسها القاعدة ـ على تغيير جلدها وإعادة إنتاج خطابها.

في ظل هذا المناخ، تُفعَّل قسمة متخيلة بين دمين وروحين: دم يُنسب إلى “الأكثرية” وروح تُنسب إلى “الأقليات”، في محاولة لصناعة ثنائية مصطنعة تُعطي لكل طرف جوهرًا ثابتًا ومفارِقًا بالكلية عن الآخر للآخر. وهكذا لا يُنظر إلى السوريين كنسيج إنساني واحد متعدد ومتشابك، بل ككيانات روحية متواجهة، يجري تحميلها معاني سياسية وطائفية مسبقة، تُبرر خطاب التفتيت وتمنحه غطاءً أيديولوجيًا، بينما لا يمت بصلة إلى حقيقة المجتمع ولا إلى تعقيداته الحية.

التقسيم موضـــــــــــــــــــــة كل موسم :

يبدو أن “التقسيم” تحوّل، عبر العقود الأخيرة، إلى مخيال موسمي يستيقظ مع كل أزمة تمرّ بها المنطقة. فمع كل اهتزاز سياسي أو انفجار صراع، تظهر خرائط جديدة، مُتقنة الرسم، باهرة الألوان، مُحمّلة بالهوامش والتفسيرات، لكنها في جوهرها ليست سوى مقترحات هندسية لتفكيك الكيانات القائمة إلى حدود مختلقة وكيانات افتراضية لا تمت إلى تعقيدات الواقع الاجتماعية والتاريخية بصلة.

ومنذ احتلال الولايات المتحدة للعراق وسقوط نظام صدام حسين، بلغ هذا “الموسم الخرائطي” ذروته، فأصبحت الخرائط التصوّرية موضة سياسية متجددة: خريطة تقسّم العراق إلى ثلاث دول، وأخرى توزّع اليمن إلى أربعة كيانات، وثالثة تعيد رسم بلاد الشام على نحو عبثي يوحي بابتكار سياسي بينما يخفي حقيقة الفراغ. لم يتوقف الأمر عند ذلك، بل امتد حتى إلى مصر، التي عُرفت تاريخيًا بثبات حدودها، فإذا بسيناء تتحول في بعض التصورات إلى دولة مستقلة تُلحق بغزة، وتُمنح الأقباط في خرائط أخرى دولة متخيّلة، وتتحول النوبة وأسوان إلى كونفدرالية ملاصقة للسودان.

إن هذا السيل من الخرائط لا يعبّر عن حلول تاريخية راسخة بقدر ما يعكس أزمة عجز عن فهم الدولة الوطنية الحديثة ووظيفتها الاجتماعية  في المنطقة وحركيتها في فلسفة نشوء الشعوب وتحضر الأمم .

 اندفعت موجة جديدة من الهوس بفكرة تقسيم المشرق العربي عقب اندلاع الربيع العربي، لكن المشهد السوري تحديدًا اتخذ طابعًا أكثر تعقيدًا وحساسية. فكما طُرحت خرائط التجزئة نظريًا على دول شهدت حراكًا شعبيًا مثل مصر واليمن وليبيا، بلغ النقاش حول تقسيم سوريا ذروته مع التحولات العسكرية والسياسية التي شهدها البلد، ولاسيما بعد التدخل العسكري الروسي في 30 أيلول/سبتمبر 2015، ثم مع بروز “قوات سوريا الديمقراطية” التي تمددت لاحقًا على مساحات واسعة تحت مظلة الدعم الجوي الأمريكي بعد تمدد داعش . وهكذا لم تعد فكرة التقسيم مجرد تكهنات أو مخاوف تُهمس في الهامش، بل تحولت إلى خطاب حاضر بقوة في التحليلات والاستراتيجيات، يغذّيه تغيّر موازين القوى وتعقّد المشهد الإقليمي والدولي المحيط بالساحة السورية وهذا واقع عموما لم يزده سقوط النظام إلا حماوة

الفيدرالية مبدأ الحل أم مولد الأزمة :

 النظام الفيدرالي يعتمد بجوهره على توافق مجتمعي أي وجود عقد جمعي، ويفرض واقعه من خلال حضور مؤسساتي قوي، وحدود جلية واضحة بين المكونات. في كندا ، مثلًا، ساهمت المؤسسات السيادية القوية، والقضاء المستقل، وثقافة سياسية تقبل التنافس السلمي، في بناء اتحاد متجانس بين المهاجريين الإنجليز و الفرنسيين وماتبقى من سكان أصليين.

أما في سوريا، فالمشهد مختلف جذريًا: اربعة عشر سنة من الحرب الدامية خلَّفت بنية اجتماعية ممزقة متفرقة، وسلطة مركزية ضعيفة حتى قبل سقوط الأسد، وميليشيات مسلحة تتحكم بأجزاء واسعة شاسعة وتداخلات اقليمية ودولية، والأهم وجود كم كبير من الوافدين من غير السوريين للمشاركة في المقتلة الكبرى “المهاجرين” بالمفهوم “الجهادي” أعطى بعدًا أكثر قتامة من حال سورية الفسيفسائي.

 تطبيق الفيدرالية هنا سيعني إضفاء شرعية على التقسيمات القائمة المزمنة والهشة، التي نشأت أساسًا بسبب الصراع وخلاله، لا بسبب إرادة سياسية أو هوية محلية متماسكة أو إجماعي وطني.

على الرغم من الصورة اللامعة التي تُقدَّم بها التجربة الفيدرالية الكندية فأن جارتها الفيدرالية الأمريكية عادةً بوصفها نموذجًا ناجحًا لتوازن السلطة، فإن تاريخ بعض الولايات يكشف جانبًا آخر أقل إشراقًا؛ إذ شهدت تلك الولايات فترات طويلة من انتهاك الحريات المدنية، وفرض سياسات تمييزية ضد الأقليات العرقية والنساء ومجموعات اجتماعية مختلفة، تحت غطاء “الخصوصية المحلية” وحق الولايات في التشريع المستقل. وفي المقابل، استطاعت ولايات أخرى، عبر دساتيرها الداخلية وقوانينها المحلية الناظمة، أن تمنح مستوى أعلى من الحماية والحقوق يفوق ما نص عليه الدستور الفيدرالي نفسه أو وثيقة الحقوق الأمريكية المركزية الطابع، مما يبرز تفاوتًا حادًا في مستوى المواطنة داخل الاتحاد الواحد منذ نهاية الحرب الأهلية أواسط القرن التاسع عشر وصولا لولاية ترامب الثانية .

وهذا التناقض يكشف إحدى أعقد مشكلات النظام الفيدرالي: فهو بقدر ما  يمنح المرونة والقدرة على التكيّف مع الخصوصيات المحلية، لكنه في الوقت نفسه قد يفتح الباب واسعًا أمام تشريعات تمييزية أو متخبطة، ويحوّل الحقوق الأساسية إلى “امتيازات” تختلف من ولاية إلى أخرى. كما قد يؤدي تعدد مراكز القوة والتشريع إلى تضارب في القوانين، وإلى تحوّل السلطة المحلية إلى أداة للهيمنة أو العزل بدل أن تكون وسيلة لتعزيز العدالة والمساواة. بهذه الصورة، يصبح النظام الفيدرالي ليس مجرد إطار دولتي وحكومي إداري متوازن، بل ساحة مفتوحة لاحتمالات متناقضة: يمكن أن ينتج عنها حماية متقدمة للحقوق، كما يمكن أن تفرز أشكالًا جديدة من الظلم تحت عنوان الحكم الذاتي، دولة جنوب السودان قبل التقسيم مثال غير بعيد.

نماذج تاريخية معاصرة للفيدرالية  :

 على الرغم من أن مسار تشكّل الاتحاد اليوغسلافي بدا، نظريًا، أكثر انتظامًا من نظيره البلجيكي أو السويسري ((وما يميز النموذج البلجيكي هو أن الفيدرالية لم تكن وصفة جاهزة، بل نتيجة لتراكم تجارب تفاوضية دامت عقودًا، واتخذت طابعًا تصحيحيًا مستمرًا مع كل أزمة)) أي أن الفيدرالية هناك لا تقوم على الجغرافيا فقط، بل على “مجتمعات” ذات خصوصيات ثقافية، إذ نشأ وفق البناء الكلاسيكي للفيدرالية بالانتقال من أقاليم وكيانات منعزلة  شبه مستقلة إلى دولة اتحادية واحدة شاملة ، فإن هذا الاتحاد لم يُبنَ على توافق حقيقي بقدر ما تأسس على قدر كبير من الارتجال والفرض القسري خصوصا بعد تحرير البلاد من الفاشية على بقيادة جوزيف بروزتيتو.

 فقد عاشت يوغسلافيا نحو نصف قرن تحت نظام حكم شمولي شيوعي  صارم، حوّل الفيدرالية إلى مجرد غطاء شكلي وصوري  يخفي حقيقة سلطة مركزية قمعيّة تتحكم في الجميع، دون أن تسمح بتطور ثقافة سياسية اتحادية أو إدارة ديمقراطية للتعدد القومي والديني.

حين انهار هذا الغطاء الزائف ، دخلت البلاد في نفق مظلم دفعته إلى دفع أثمان باهظة للخروج منه؛ اندلعت صراعات دموية على أسس قومية ودينية ومذهبية، وتفككت الدولة الاتحادية إلى شظايا متنازعة زادها تشظيًا تدخل الناتو نهاية التسعينيات، ولا تزال بعض هذه الشظايا حتى اليوم تعيش حالة هشاشة وعدم استقرار، كما هو الحال في البوسنة والهرسك بما تحمله من تعقيدات فيدرالية وهيكلية خطرة.

إن هذا المثال يحمل دلالة واضحة على السياق السوري: فالفيدرالية ليست وصفة سياسية جاهزة تُفرض على مجتمع مثخن بالجراح ويعاني من ذاكرة ممتلئة بالصراع والشكوك المتبادلة. فإذا جاءت الفيدرالية في سوريا بوصفها مشروعًا قسريًا مفروضًا بقوة السلاح أو بتوازنات الخارج، أو إذا غُلّفت بشعارات ديمقراطية بينما تُدار فعليًا بعقلية مركزية أو سلطوية، فهي لن تكون أداة استقرار، بل وصفة جاهزة لإعادة إنتاج التجربة اليوغسلافية بوجه آخر أكثر وحشية، مع ما تحمله من احتمالات التفكك والاحتراب والانهيار المتجدد في ظل هذه البيئة، يصبح الحديث عن الفيدرالية في سوريا أكثر تعقيدًا مما يبدو في الظاهر. فالفيدرالية، في جوهرها، ليست مجرد تقسيم إداري للسلطات، بل هي مشروع للتوليف بين ما هو متناقض: بين الاستقلالية والوحدة، بين المركزية واللامركزية، بين التكامل والتنوع. وهي تحتاج إلى ثقافة سياسية ناضجة، وإلى مؤسسات قادرة، وإلى استعداد مجتمعي لقبول الشراكة لا الهيمنة. وهذه كلها عناصر لم تتشكل بعد بصورة راسخة في التجربة السورية ما بعد انهيار الأسدية.

إضافة إلى ذلك، تتطلب الفيدرالية تعاونًا وثيقًا بين المؤسسات والقوى الاجتماعية والسياسية، وآليات واضحة تضمن حماية حقوق المكونات المختلفة، وتعزز في الوقت نفسه الوحدة الاتحادية. غير أن السنوات الماضية في سوريا لم تقدّم ما يشير إلى وجود مثل هذا المناخ: لا أداء سياسي يبعث على الثقة، سقوط النظام ادى الى انكشاف مقلق، وهو ان النخب ليست موجودة بالقدر التي يهيئها لتكون شريكة في صياغة عقد اجتماعي ناظم جديد، ولا مؤسسات قادرة على حماية الحقوق، ولا وعي جمعي مستعد لتحويل الفيدرالية إلى إطار تعايش وبناء يستحيل، في نظر كثيرين، تصوّر أن تُدار مناطق درزية أو علوية أو كردية وكأنها جزر معزولة! بينما الواقع السوري نسجٌ اجتماعي متشابك لا يقبل القطيعة ولا الانفصال حتى المسلمون السنة في سوريا لا يمكن صبهم بقالب واحد. فالجنوب السوري، على سبيل المثال، ليس فضاءً درزيًا خالصًا ولا سنّيًا محضًا، بل هو مزيج من الحضورين معاً؛ والساحل لم يكن يومًا كتلة علوية صافية، مثلما أن شرق الفرات لا يمكن اختزاله في الهوية الكردية وحدها. وحتى قلب البلاد، في محافظاتها الوسطى من حمص وحماة حتى جبال القلمون، يظل ساحةً رحبة لتعدد ديني وعرقي شديد الحساسية والدقة، بحيث يصعب تفكيكه أو حشره في قوالب سياسية مغلقة، ليست الفيدرالية كما يطرحها الشعبيون في جوهرها مبضعًا يقطع الجغرافيا بقدر ما هي ميزان مرن بمتانة  يعيد توزيع السلطة وكيفية إدارتها؛ عقد اجتماعي جديد يقوم على فكرة “الوحدة في رحابة التنوع”. فهي لا تشبه الانفصال ولا تتقاطع مع التفتيت، بل تسعى – في مكان ما – إلى حماية جسد الدولة عبر الاعتراف بما فيه من تعقيدات اجتماعية وسياسية وإدارته بعقلانية، بدل محاولة نفيَّه أمنيًا أو سحقه بالقوة.

 في الحالة السورية، لم تولد فكرة الفيدرالية اليوم كما أوردنا سابقا، لكنها كثيرًا ما أُجهضت قبل أن تبلغ طورها الطبيعي. يكشف التاريخ السوري منذ الاستقلال عن مسارات أُغلقت في وجه أي حكم محلي حقيقي، إذ ظلت القبضة المركزية في دمشق وبدرجة أقل في عاصمة الشمال حلب تمسك بكل الخيوط، تستند إلى منظومة أمنية بدأت مع  السراج و لم تنتهي بسقوط المنظومة الأمنية للنظام السابق، يمكن وصفها بأنها “فوق وطنية”، تُخضع الجميع لهوية واحدة تُصاغ في غرف السلطة: لغة واحدة، رواية تاريخية واحدة، وخطاب يسعى لصهر فسيفساء غنية ثرية ومتعددة في قالب أحادي صلب، قالبه كان العروبة حتى ولو على حساب الهوية الوطنية السورية. وهكذا، ومع تراكم الأعوام، لم ينتج هذا النهج وحدة حقيقية بقدر ما عمّق الشروخ، وكدّس التناقضات في مجتمع كان يمكن لثرائه أن يكون مصدر قوة لا سببًا للانقسام وهو السبب المباشر للتنازع السوري السوري، الذي بدأ فعليا مع صراع الأسد الأب مع معارضيه نهاية سبعينيات وبداية ثمانينات القرن المنصرم وصولًا للحرب التي أدارها خليفته. وعليه ينبغي التحذير من أي طرح اتحادي قد يتحول إلى غطاء لتكريس “الملشنة” القائمة واللادولتية والاستبداد الصغير داخل الكونتونات في حال قيامها، خاصة في سياق هيمنة منظومة مافيوية وسلطات أمر واقع  تستفيد من استمرار قوة المركز لتعزيز مصالحها الخاصة.

ففي حال قيام فيدرالية في سوريا، هناك خطر أن تُستخدم الصيغة الاتحادية ليس لتوزيع السلطة وإنصاف المكونات، بل لتثبيت نفوذ هذه الشبكات المحلية والإقليمية، وإضفاء شرعية شكلية على ممارسات الاحتكار والسيطرة. بمعنى آخر، يمكن للفيدرالية أن تتحول من أداة لتوحيد الدولة وإدارة التنوع إلى آلية لإدامة الاستبداد المحلي وتمكين قوى نافذة على حساب المجتمع والدولة الجامعة، ما يحوّل فكرة الحكم الذاتي إلى سلعة سياسية تُستغل بدل أن تخدم العدالة والتعايش المطلوبان بعد نهاية مرحلة بطورها البعثي.

 عندما خرجت ألمانيا المنهزمة من أنقاض الحرب العالمية الثانية، كانت دولة منهارة على كل المستويات، سياسيةً واقتصاديةً واجتماعية. ومع ذلك، نجح الألمان غربي البلاد في بناء فيدرالية متينة تضم ستة عشر إقليمًا، تم فيها توزيع السلطات بدقة متناهية، بحيث لم تُترك أي ولاية مجرد رقم على الخريطة. فالفيدرالية الألمانية الغربية التي وحدت شطري البلاد لم تكن مجرد هيكل قانوني سياسي جامد، بل كانت تجسيدًا حيًا للاعتراف بخصوصية كل ولاية، ولرغبة صريحة في وضع حدود صارمة أمام العودة إلى المركزية الشمولية التي كانت قد مهدت الطريق لظهور النازية وسيطرتها المطلقة على معظم أنحاء أوروبا من برلين. بهذا المعنى، حملت الفيدرالية الألمانية بعد الحرب وظيفة مزدوجة: إدارة التنوع الداخلي وحماية الدولة من الانزلاق نحو الاستبداد الديمقراطي المركّز، ما جعلها نموذجًا يحتذى به لإعادة بناء دولة منهارة على أُسس مشاركة ووعي تاريخي عميق وهذا بكل قطعية غير متكامل الشروط في راهنية الواقع الســــــــــــــوري الحالي في أن الدولة السورية تاريخيا  لم تُبنَ يومًا على قاعدة تسوية عادلة بين مكوناتها، بل وُلدت من رحم منطق القسر والغلبة، عبر عقود طويلة، صاغت السلطة مركزًا يهيمن على كل المفاصل، وحرمت المجتمع من القدرة على التعبير عن ذاته أو المشاركة في صياغة مستقبله، ما أدى جليًا الى هذا الفراغ السياسي والفكري الراهن حتى في فهم ما يطرحون.

 في هذا السياق، يبرز صعوبة طرح الفيدرالية كنموذج عملي اليوم، فالساحة السورية تفتقر إلى نخبة انتقالية متفق عليها _ ان كانت موجودة بمعناها السياسي العلمي_  أو بيئة تفاوضية ناضجة كحال جنوب أفريقيا بعد ألغاء نظام الفصل العنصري أو وعي أمّة كما حال بلاد الجيرمان.

 التجارب التاريخية تُظهر أن الفيدرالية تحتاج إلى سلام اجتماعي واقتصادي مستقر، كي تنجح. في سوريا أقله حاليًا، حيث الحرب لم تضع أوزارها بشكل نهائي بعد، ولا تزال الأسلحة متفلتة بين أيدي الجماعات المتناحرة والاستقطاب الخارجي فعال، ستصبح الفيدرالية ذريعةً لتمزيق ما تبقى من البلد لا ينبغي استبعاد الفيدرالية تمامًا من حسابات إعادة بناء سوريا. فالعالم بعد الحروب الكبرى لم يُبْنَ بين ليلة وضحاها، بل عبر مراحل طويلة من التفاوض والتجريب والإصلاح، ومحطات تراكمية من التعلم السياسي والاجتماعي.

لكن نجاح أي تجربة فيدرالية في سوريا مشروط بأرضية وطنية صلبة: حوار شامل يشارك فيه كل السوريين، لا فرض خارجي أو من قبل قوى الأمر الواقع؛ دستور جديد يحدد بوضوح الصلاحيات والحدود بين المركز والمناطق، مع ضمانات محلية وطنية ودولية تحمي الفيدرالية من أن تتحول إلى أداة للانفصال القاتل الكامل أو التخريب. ولا يقل عن ذلك أهمية إصلاح مؤسسات الجيش والأمن لتصبح وطنية خالصة، لا خاضعة لأي مكون أو منطقة أو طائفة، إضافة إلى إدارة عادلة للموارد بين المناطق، خصوصًا النفط والمياه والزراعة، بما يعزز العدالة والتنمية المتوازنة، وقضاء لا تيه في ماهيته بين الوضعية المدنية والوضعية الدينية بعيدة الاجماع.

في الخلاصة، خصوصًا لأصحاب المذاهب الفكرية المتعددة، الطامحة لبناء دولة ما بعد الحرب، دون قنابل دخانية ”أكثرية وأقلية“ أنتم تبدؤا من حيث يجب أن تنتهوا، حريٌّ بكم، تحديد الاجابة على سؤال مركزي، هل سورية بالفعل اليوم للسوريين؟ هل الاحتلالات المتعددة الجنسيات المتضاربة بالمصالح واقع حتمي لسوريا الجديدة؟ هل الأجانب أدوات القتل بخلفيات إيديولوجية دوغمائية أصبحوا فعلًا من النسيج السوري؟ بأبعاد ديموغرافية واجتماعية وهوياتية؟ والكثير من الاسئلة التي تحمل بخلفياتها تحديات جمّة، قبل الهروب الى الوصفات الجاهزة كرد فعل مخصي معرفيًا وسياسيًا واستقرائيا، لن يزيد الطين الا بلة ولن يجر الا الدماء بفعل الترسبات التي يجب الخروج منها قبل التفكير بالمستقبل بخلفيات سياسية صاحبة مشاريع عملية وعلمية حقيقية، هي دعوة بعيدة عن الشعبوية وبعيدة والاوهام، هي وقفة مع الواقع لحظة.

أضف تعليق

error: Content is protected !!