تداعيات سقوط النظام السوري على لبنان: قراءة في الأبعاد الأمنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية بعد عام على التحول

المقدمة :

في الثامن من ديسمبر 2024، شهدت المنطقة العربية حدثًا تاريخيًا غيّر خريطة التحالفات والنفوذ الإقليمي بشكلٍ جذري، حين انهار نظام بشار الأسد بسرعةٍ مذهلة لم يتوقعها المحللون ولا المراقبون الإقليميون والدوليون. فبعد أقل من أسبوعين على بدء هجوم فصائل المعارضة المسلحة بقيادة هيئة تحرير الشام، سقطت العاصمة دمشق بمشهد دراماتيكي لم تعرف ماهيته حتى الان، منهيةً بذلك أكثر من نصف قرنٍ من حكم عائلة الأسد وستة عقودٍ من سيطرة حزب البعث على مقاليد الحكم في سوريا. هذا التحول لم يكن مجرد انتقالٍ سياسيًا داخل دولةٍ واحدة، بل شكّل زلزالًا جيوسياسيًا أعاد تشكيل المعادلات الإقليمية برمّتها، ولا سيما بالنسبة للبنان الذي ارتبط مصيره بسوريا عبر علاقةٍ معقدة ومتشابكة امتدت لأكثر من خمسة عقود.

لقد عاش لبنان تحت الوصاية السورية المباشرة منذ دخول القوات السورية إلى الأراضي اللبنانية عام 1976، وهي وصاية استمرت حتى الانسحاب العسكري عام 2005، لكن النفوذ السياسي والأمني السوري بقي حاضرًا بقوة عبر شبكةٍ من الحلفاء المحليين وعلى رأسهم حزب الله. كان نظام الأسد يعتبر لبنان جزءًا من عمقه الاستراتيجي. لذا، فإن سقوط هذا النظام لم يكن حدثًا عابرًا بالنسبة للبنان، بل كان بمثابة إعلانٍ عن نهاية حقبةٍ كاملة وبداية مرحلةٍ جديدة محفوفة بالفرص والمخاطر على حدٍ سواء.

بعد مرور عامٍ كامل على هذا التحول التاريخي، وبعد أن أتيحت فرصة مراقبة سلوك السلطة الجديدة في دمشق طوال اثني عشر شهرًا، تبرز الحاجة الملحّة لإجراء تقييمٍ شامل ومعمّق للتداعيات المتعددة الأبعاد التي خلّفها سقوط النظام السوري على لبنان. هذا التقييم يكتسب أهميةً مضاعفة في ضوء التطورات المقلقة التي شهدها العام الأول من حكم أحمد الشرع (الجولاني)، وتحديدًا التحول الملحوظ والخطير في خطابه بين لحظة دخول دمشق وبين الذكرى السنوية الأولى لهذا الحدث.

من خطاب النصر المطئن إلى خطاب الخلافة: تحول مقلق

في الثامن من ديسمبر 2024، وبعد ساعاتٍ قليلة من دخول قوات هيئة تحرير الشام إلى دمشق، اختار أحمد الشرع المسجد الأموي الكبير لإلقاء خطابه الأول، وهو اختيار محمّل بدلالاتٍ رمزية عميقة تتجاوز البعد السياسي المباشر إلى أبعادٍ دينية ومذهبية وتاريخية. المسجد الأموي، في ذلك الخطاب الأول، استخدم الجولاني لغةً تجمع بين الحماسة الثورية والبراغماتية السياسية، حيث وصف الانتصار على نظام الأسد بأنه “انتصار للأمة الإسلامية”، وهو تعبير يحمل دلالاتٍ أيديولوجية واضحة تتجاوز الوطنية السورية الضيقة إلى خطابٍ أممي إسلامي، لكنه في الوقت نفسه حرص على طمأنة “جميع مكونات الشعب السوري” ووعد باحترام حقوق الأقليات وبناء “دولة المؤسسات”.

لكن الخطاب الذي ألقاه الجولاني في الذكرى السنوية الأولى لسقوط النظام، أي في ديسمبر 2025، كشف عن تحولٍ خطير في النبرة والمضمون. فقد تراجع الحديث عن “الوطنية السورية” و”دولة المؤسسات” و”احترام التعددية”، وحلّ محله خطاب أكثر صراحةً في نزعته “الخلافية” والأيديولوجية الدينية. تحدث عن “عودة الأمّة إلى مجدها” و”تطبيق شرع الله” و”تحرير الأرض من الشام إلى القدس”، في لغةٍ تذكّر بأدبيات الجماعات الجهادية التقليدية أكثر مما تشبه خطاب رئيس دولةٍ يسعى لبناء مؤسسات حديثة. هذا التحول في الخطاب، من البراغماتية النسبية إلى الأيديولوجيا الصريحة، يكشف عن حقيقةٍ مقلقة: أن “أحمد الشرع” المعتدل الذي كان يحاول تقديم نفسه للغرب وللأقليات السورية بدأ يتلاشى، وأن “الجولاني” الجهادي يعود تدريجياً إلى الواجهة.

هذا التحول ليس مجرد تغييرٍ في الخطاب الإعلامي، بل يعكس عوامل عديدة منها, صراعًا حقيقيًا داخل السلطة الجديدة في دمشق بين التيار “البراغماتي” الذي يدرك ضرورة كسب الاعتراف الدولي وطمأنة الأقليات والحصول على الدعم المالي لإعادة الإعمار والاعتراف، وبين التيار “الأيديولوجي المتشدد” الذي يرى في أي تنازلات للغرب أو للعلمانية “خيانة للمشروع الجهادي” الذي من أجله قاتلوا طوال سنوات. الفصائل المتشددة المتحالفة مع هيئة تحرير الشام، والتي ساهمت بشكل حاسم في إسقاط النظام، تمارس ضغوطًا هائلة على الجولاني، وهي تردد أمام المكونات الأخرى عبارةً مرعبة: “إننا أتينا بعقلية الجولاني أحمد الشرع لكم”، أي أنهم ينظرون إليه باعتباره لا يزال “الجولاني” الجهادي المتشدد الذي يرتدي مؤقتًا قناع “أحمد الشرع” المعتدل أمام الكاميرات الغربية والعربية والعالمية، وأن العودة إلى الجولاني الحقيقي ليست سوى مسألة وقت.

خطاب الذكرى السنوية الأولى يشير بوضوح إلى أن الضغوط الداخلية من الفصائل المتشددة بدأت تتفوق على قدرة الشرع, كما أن الطلبات الغير قادر على تنفيذها من جهات خارجية لم تعد تساعده على الحفاظ على مظهر الاعتدال. فهو محاصر بين نارين: من جهة، يحتاج إلى الاعتراف الدولي والدعم المالي، وهو ما يتطلب خطابًا معتدلًا وسلوكًا يطمئن الغرب والأقليات؛ من جهةٍ أخرى، يواجه قاعدته المقاتلة وحلفاءه المتشددين الذين لا يقبلون بأي “تمييع” للمشروع الجهادي. هذا الازدواج ليس علامة قوة أو “مهارة سياسية”، بل هو علامة ضعفٍ بنيوي بدأت بالظهور التدريجي، إذ يعني أن الشرع غير قادرٍ على فرض خطٍ واضح وثابت، وأنه يتأرجح بحسب الضغوط الواقعة عليه من جهاتٍ متناقضة. التجربة التاريخية مع الحركات الجهادية التي وصلت للسلطة، من طالبان في أفغانستان إلى داعش في العراق وسوريا، تقول بوضوح إن الوعود الأولية بـ”الاعتدال” سرعان ما تتبخر أمام الضغوط الأيديولوجية الداخلية والحاجة لإرضاء القاعدة المتشددة.

بالنسبة للبنان، هذا التحول في خطاب الجولاني يحمل تداعياتٍ خطيرة مباشرة. فإذا كانت سوريا تنزلق فعلًا نحو نموذج “الدولة الإسلامية” دون مكابح، حتى لو بشكلٍ تدريجي ومقنّع، فإن ذلك يعني أن لبنان بات على حدود مشروعٍ أيديولوجي ديني لا يمكن التعايش معه بسهولة، خاصةً مع النسيج الطائفي اللبناني المعقد والنظام السياسي القائم على التوافق بين مكونات متعددة. الأخطر من ذلك هو احتمال “التصدير الأيديولوجي” المعدي بطبيعته الفطرية، أي أن يؤدي نجاح نموذج جهادي في سوريا إلى تحفيز تياراتٍ متشددة داخل البيئة السنية اللبنانية للمطالبة بتطبيق النموذج نفسه، وهو ما قد يعني انهيار الصيغة اللبنانية برمّتها.

الاستقبال الدولي المتردد: اعتراف بالأمر الواقع أم رفض ضمني؟

من المهم جداً تصحيح أي انطباعٍ خاطئ قد ينشأ حول الاستقبال الدولي لأحمد الشرع: فهو لم يُستقبل حتى الآن ببروتوكولٍ رسمي كرئيس دولة معترف به في أي عاصمةٍ غربية, زيارة البيت الأبيض دليلًا صارخًا على هذا الانطباع الخاطئ. ما حصل فعليًا هو لقاءات “تقنية” و”استكشافية” على مستوى المبعوثين الأمريكيين والأوروبيين الذين زاروا دمشق أو زارهم هو، وليس العكس. حتى زيارة قائد القيادة المركزية الأمريكية (سنتكوم) الأدميرال براد كوبر إلى دمشق في أواخر 2025 كانت في إطار “تقييم الوضع الميداني” و”التنسيق الأمني ضد داعش”، وليس اعترافًا دبلوماسيًا رسميًا بالشرع كرئيس شرعي لسوريا.

هذا التردد الغربي في منح الشرع الشرعية الكاملة كرئيسٍ معترف به دوليًا يكشف عن حقيقةٍ أساسية: المجتمع الدولي، رغم براغماتيته المعهودة، يدرك جيدًا خطورة إضفاء الشرعية السريعة على جماعةٍ جهادية ما زالت تحمل في جيناتها الأيديولوجية بذور التطرف، وأن “التحول البراغماتي” الذي يتحدث عنه الجولاني لم يُختبر بعد بما يكفي لاستحقاق الاعتراف الكامل. الأهم من ذلك، أن التحول الواضح في خطاب الجولاني بين ديسمبر 2024 وديسمبر 2025، من النبرة “المعتدلة” نسبياً إلى النبرة “الخلافية” الأكثر صراحة، أثار أجراس الإنذار في العواصم الغربية، وعزز الشكوك حول جدية هذا “الاعتدال” المزعوم.

اسم الشرع الذي لم يعد مدرجًا على قوائم الإرهاب الأمريكية والأوروبية، والمكافأة البالغة عشرة ملايين دولار مقابل معلوماتٍ عنه لم تُلغَ بعد، وعاصفة الردود الرافضة لخطوة الولايات المتحدة والأمم المتحدة, والتي تحظى بإدارة متناغمة مع التصرفات اتجاهه, ليست مؤشر واضح على أن الغرب، رغم تواصله العملي مع سلطته في دمشق، الا انه لم يقرر بعد منحه الشرعية الكاملة. هذا الموقف المتردد يضع الشرع في موقفٍ حرج: فهو يحتاج الاعتراف الدولي الفعلي لتثبيت سلطته وإعادة بناء سوريا والحصول على التمويل الضروري، لكنه في الوقت نفسه محاصر من الداخل بضغوط الفصائل المتشددة المتحالفة معه التي ترى في أي تنازلاتٍ للغرب “خيانة للمشروع”. هذه المعادلة المستحيلة تفسر التذبذب الواضح في خطابه وسلوكه، وتشير إلى أنه قد يكون عاجًزا عن الوفاء بأي من الوعود التي يطلقها، سواء للغرب أو للأقليات السورية أو حتى لحلفائه.

بالنسبة للبنان، هذا التردد الدولي في الاعتراف الكامل بالشرع يحمل رسالةً واضحة: يجب على لبنان أن يتعامل بحذرٍ شديد مع السلطة الجديدة في دمشق، وألا ينجرف خلف أي حماسةٍ مبكرة أو ثقةٍ مفرطة بالوعود، وأن يبقي قنوات اتصاله مفتوحة لكن دون التورط في علاقةٍ عميقة قد تكلفه غاليًا رغم الحاجة الجيوسياسية لهذا الأمر, خصوصًا إذا ما انهار النظام الجديد أو تحول إلى نظامٍ أكثر تطرفًا بشكلٍ علني. الحكمة اللبنانية تقتضي الانتظار ومراقبة تطور الأحداث، خاصةً في ضوء التحول المقلق في خطاب الجولاني خلال العام الأول من حكمه.

القسم الأول: التداعيات الأمنية – انعكاس المعادلة وتهديد الأمن القومي

يمثل البعد الأمني ربما الأكثر إلحاحًا وخطورةً من بين جميع التداعيات التي خلّفها سقوط النظام السوري على لبنان، وذلك لأسبابٍ عديدة تتعلق بطبيعة الحدود المشتركة بين البلدين، وتاريخ العلاقة الأمنية المعقدة بينهما، وخريطة الفصائل المسلحة الجديدة التي تسيطر على الأراضي السورية، بالإضافة إلى التنافس الإقليمي المحتدم على النفوذ في سوريا ما بعد الأسد. لكن الأخطر من كل ذلك هو الانعكاس الجذري الذي حصل في المعادلة الأمنية ذاتها بين البلدين.

من الخاصرة الرخوة إلى التهديد الوجودي: انعكاس المعادلة

طوال عقود، كان لبنان يُوصف في الأدبيات الأمنية السورية بأنه “الخاصرة الرخوة” لسوريا، أي المنفذ الذي يمكن عبره اختراق الأمن السوري أو الضغط على النظام أو تمرير أجنداتٍ إقليمية. استخدم نظام الأسد، الأب ثم الابن، هذه المقولة لتبرير تدخله في الشؤون اللبنانية، بل ولتبرير الوجود السوري العسكري والأمني المباشرين الذين داما ثلاثة عقود. كانت المعادلة واضحة: سوريا القوية المسيطرة تستخدم لبنان الضعيف المنقسم كساحةٍ لتصفية حساباتها الإقليمية، وكمتنفسٍ لأزماتها الداخلية وكجسرٍ للتواصل مع حلفائها الإقليميين، وفي الوقت نفسه كانت تحرص على إبقاء لبنان ضعيفًا ومنقسمًا كي لا يتحول إلى تهديدٍ حقيقي.

أما اليوم، بعد عامٍ من سقوط النظام السوري، فقد انعكست المعادلة انعكاسًا تامًا ومرعبًا: سوريا الفوضوية المفككة أصبحت هي التهديد الأمني الأكبر للبنان، والحدود المشتركة تحولت من خط فصلٍ تحت سيطرة نظامٍ قوي (وإن كان قمعيًا) إلى منطقةٍ رمادية يسيطر عليها لاعبون متعددون ومتناقضون، بعضهم يحمل أجنداتٍ معادية صراحةً للبنان أو لمكوناته. لبنان لم يعد “الخاصرة الرخوة” لسوريا، بل أصبح هو نفسه معرضًا لأن تخترق خاصرته من الجانب السوري بفعل الفوضى والجماعات المسلحة والأيديولوجيات المتطرفة.

هذا الانعكاس في المعادلة ليس مجرد تغييرٍ في ميزان القوى بالمنهج الإستقرائي، بل هو تحولٌ في طبيعة التهديد نفسه. ففي عهد الأسد، كان التهديد الأمني القادم من سوريا “مسيطرًا عليه” إلى حدٍ ما حتى أنه كان هناك نوع من “المد والجزر” تجاوب هنا تمييع هناك، كما أن قناعة نظام الأسد كان من الناحية الأمنية الاستراتيجية يريد لحدوده ولجاره لبنان حد من الاستقرار أو التنافر المضبوط وعادة كان ينجح بتلك اللعبة فهو قد خبر لبنان لعقود, بالتالي كل شيء بالنسبة للبنان كان يخدم أجندة واضحة لنظامٍ محدد، وبالتالي كان يمكن التعامل معه, عبر قنوات اتصالٍ معروفة ومن خلال معادلاتٍ سياسية وأمنية قابلة للتفاوض. أما اليوم، فالتهديد أصبح “فوضويًا” و”متعدد المصادر” و”غير قابل للتنبؤ”، إذ يمكن أن يأتي من هيئة تحرير الشام، أو من الفصائل المتشددة المتحالفة معها، أو من خلايا داعش النائمة، أو من عصاباتٍ إجرامية تستغل الفوضى، أو حتى من صراعاتٍ داخلية سورية تنتقل عدواها إلى لبنان.

الاحتفالات التي شهدتها مناطق لبنانية مختلفة في ديسمبر 2025 بمناسبة مرور عامٍ على سقوط نظام الأسد تكشف بوضوح عن عمق هذا الانعكاس في المعادلة الأمنية. هذا الاختراق ليس مجرد تعاطفٍ إنساني مع شعبٍ (ثار على ديكتاتورية)، بل يحمل في طياته بذور انتماءٍ عابر للحدود قد يتحول إلى ولاءٍ سياسي أو حتى عسكري في لحظة ما.

الأخطر من ذلك هو ما رافق هذه الاحتفالات من توترٍ أمني واضح، حيث حاولت عناصر من حزب الله وحركة أمل تنظيم فعالياتٍ مضادة، هذا الاستقطاب الحاد حول قضيةٍ سورية، والذي وصل إلى حد الاشتباكات اللفظية والمناوشات الميدانية في بعض المناطق، يشير بوضوح إلى أن الانقسام السوري انتقل ولو نسبيًا إلى الساحة اللبنانية، وأن لبنان بات ساحةً لاستمرار الحرب السورية بأشكالٍ جديدة.

من الناحية الأمنية الصرفة، هذا يعني أن لبنان يواجه احتمال تحول أجزاءٍ من أراضيه إلى امتدادٍ للصراعات السورية الداخلية، حيث يمكن لأي توترٍ طائفي أو أيديولوجي في سوريا أن ينعكس فورًا على الشارع اللبناني. لقد رأينا نموذجًا لذلك في حادثة حرق شجرة عيد الميلاد في سوريا، والتي أثارت موجةً من الذعر في الأوساط المسيحية اللبنانية وأدت إلى تصريحاتٍ نارية من قياداتٍ مسيحية حذرت من “خطر الجهاديين” على وجود المسيحيين في المشرق. أي حادثة مماثلة في المستقبل، سواء في سوريا أو حتى في لبنان نفسه، قد تؤدي إلى ردود فعلٍ متسلسلة يصعب السيطرة عليها.

البعد الأمني يتجاوز مسألة الحدود والتهريب وحتى الجماعات المسلحة، ليصل إلى ما هو أعمق وأخطر: وجود “دولة جهادية”، حتى لو كانت ترتدي قناع الاعتدال ظاهريًا، على الحدود المباشرة للبنان يشكل تهديدًا استراتيجيًا لمفهوم الدولة اللبنانية ذاته. فلبنان، بنسيجه الطائفي المعقد ونظامه السياسي القائم على التوافق بين المكونات، لا يمكنه التعايش بسلامٍ مع نموذج “الدولة الإسلامية” على حدوده، مهما كانت براغماتية هذه الدولة ظاهريًا.

تفكك البنية الأمنية للحدود وغياب الشريك الموحد

لقد كان لسقوط السلطة المركزية في دمشق تأثيرٌ مباشر ومدمر على البنية الأمنية للحدود السورية-اللبنانية. في عهد نظام الأسد، كان هناك على الأقل جهة واحدة معروفة ومحددة تسيطر على الجانب السوري من الحدود، وهي أجهزة المخابرات السورية المتعددة التي كانت تمسك بشكلٍ حديدي بالمعابر الرسمية وغير الرسمية. هذا الوضع، رغم سلبياته الكثيرة لدى مفهوم الدولة بلبنان ورغم استخدامه أحيانًا لأغراضٍ تهدد الأمن اللبناني ذاته (كتهريب الأسلحة لحزب الله أو إدخال مطلوبين أو تمرير عمليات استخبارية)، كان يحمل على الأقل قدرًا من القابلية للتوقع والتعامل. كان لبنان يعرف “مع من يتعامل”، حتى لو كان هذا التعامل صعبًا ومعقدًا.

مع سقوط النظام في ديسمبر 2024، انهارت هذه البنية الأمنية بالكامل بين ليلةٍ وضحاها، تاركةً فراغًا أمنيًا هائلًا لم يُملأ حتى الآن بشكلٍ كامل أو منظم. جهاز المخابرات السوري الذي كان يسيطر على المعابر الحدودية تبخّر فجأة، وانسحبت القوات النظامية من مواقعها الحدودية في مشهدٍ فوضوي، وحلّت محلها فسيفساء معقدة من الفصائل المسلحة المتعددة الولاءات والتوجهات. هيئة تحرير الشام تسيطر على مناطق واسعة، لكنها لا تسيطر على كامل الحدود. الفصائل الموالية لتركيا موجودة في الشمال الغربي. قوات سوريا الديمقراطية (قسد) تسيطر على الشمال الشرقي. جيوب من تنظيم داعش والخلايا الجهادية الأخرى ما زالت نشطة في مناطق البادية. بالإضافة إلى ذلك، هناك مناطق “رمادية” لا تخضع فعليًا لسيطرة أي جهة منظمة، وإنما تديرها عصابات محلية أو قبائل مسلحة.

هذه الفسيفساء الأمنية المعقدة خلقت وضعًا غير مسبوق، حيث أصبح الجيش اللبناني في بعض المناطق الحدودية لا يعرف بالضبط من يسيطر على الجانب السوري المقابل له، وبالتالي من هو الطرف الذي يجب التنسيق أو التفاوض معه في حال حصول أي خرقٍ أمني أو نشاطٍ مشبوه. في بعض الحالات، وُثّق أن الجيش اللبناني حاول الاتصال بالجهة المسيطرة على منطقةٍ حدودية سورية معينة للتنسيق بشأن قضية أمنية، ليكتشف أن السيطرة قد انتقلت إلى فصيلٍ آخر خلال أيام، أو أن هناك تنافسًا مسلحًا بين فصيلين على تلك المنطقة.

من أخطر التهديدات الأمنية التي نشأت عن هذا الفراغ هو تسلل عناصرَ جهادية متطرفة إلى الأراضي اللبنانية، سواء كانوا أفرادًا فارّين من مناطقَ قتالية أو خلايا نائمة تحاول إعادة بناء شبكاتها أو حتى عناصرَ من تنظيم داعش الذي رغم هزيمته الظاهرية ما زال يمتلك قدرةً على التحرك والعمل في ظل الفوضى. لبنان لديه تاريخٌ مؤلم مع هذه الجماعات، بدءا معارك عرسال عام 2014 التي شهدت اشتباكاتٍ عنيفة بين الجيش اللبناني ومسلحي داعش وجبهة النصرة، انتهت باحتجاز عددٍ من الجنود والعناصر الأمنية اللبنانيين، بعضهم قُتل على يد داعش في مشاهدَ مروعة بثها التنظيم عبر الإنترنت. هذه الذاكرة الأليمة تجعل المخاوف من عودة هذا الكابوس حقيقيةً وملموسة، خاصةً وأن الخطاب الذي يصدر من دمشق الجديدة، رغم محاولاته الظهور بمظهرٍ معتدل في المناسبات الرسمية، بدأ يميل بوضوح نحو النبرة “الخلافية” الأيديولوجية، كما ظهر في خطاب الذكرى السنوية الأولى، وهو ما يشكل بيئةً حاضنة محتملة لهذه الجماعات المتطرفة.

إلى جانب التهديد الجهادي المباشر، هناك مخاطر أمنية أخرى لا تقل خطورة، أبرزها استمرار نشاط شبكات التهريب عبر الحدود. في عهد نظام الأسد، كانت هذه الشبكات (تهريب أسلحة، مخدرات، أشخاص، بضائع) تعمل في كثيرٍ من الأحيان بتواطؤ أو على الأقل بعلم الأجهزة الأمنية السورية، التي كانت تستفيد ماليًا منها أو تستخدمها كورقة ضغطٍ سياسية. لكن مع سقوط النظام، فقدت هذه الشبكات راعيها المركزي، لكنها لم تختفِ، بل أعادت تنظيم نفسها والتأقلم مع الواقع الجديد عبر إقامة علاقاتٍ مع الفصائل المسلحة الجديدة المسيطرة على الحدود. الأسوأ من ذلك هو أن ضعف السلطة المركزية في سوريا وانشغال الفصائل المختلفة بترتيب أوضاعها الداخلية قد يخلق بيئةً مواتية أكثر من أي وقتٍ مضى لازدهار هذه الأنشطة غير المشروعة.

في مواجهة هذه التحديات الأمنية الجسيمة، يبدو الجيش اللبناني في وضعٍ بالغ الصعوبة. فرغم أنه عزز وجوده على الحدود الشمالية والشرقية كما أعلن رسميًا “في ضوء التطورات المتسارعة” في سوريا، إلا أن قدراته المحدودة من حيث العدد والعتاد والموارد المالية تجعل من المستحيل عمليًا تغطية كامل الخط الحدودي البالغ 375 كيلومترا بالكفاءة المطلوبة وخصوصًا انه ينتشر في الجنوب ايضًا والمطلوب منه على الحدود الجنوبية ايضًا اكبر من امكانياته. لا ننسى الأزمة الاقتصادية الحادة التي يعيشها لبنان منذ 2019 أثّرت بشكلٍ كارثي على الجيش، الذي يعاني جنوده من تدني الرواتب (لا تكاد تكفي لتغطية المعيشة الأساسية في ظل التضخم الجنوني) وضعف التجهيزات ونقص الوقود والذخيرة، وهو ما دفع أعدادًا كبيرة من الضباط والعناصر المدربة إلى الاستقالة أو الهجرة بحثًا عن فرصٍ أفضل. في هذا السياق، يصبح الحديث عن “ضبط الحدود” أقرب إلى الشعار منه إلى الواقع الفعلي، إذ أن الإمكانيات المتاحة لا تكفي لتحقيق هذا الهدف الطموح في ظل التحديات الهائلة المذكورة أعلاه.

التنافس الإقليمي على الحدود: ساحة الصراع الجديدة

على صعيدٍ آخر، يواجه لبنان تحدياً أمنيًا من نوعٍ مختلف يتمثل في التنافس الإقليمي المحتدم على النفوذ في سوريا، وهو تنافس يؤثر بشكلٍ مباشر على الأمن اللبناني. فتركيا، التي لعبت دوراً محوريًا في دعم الفصائل المعارضة وتسهيل سقوط النظام السوري، تسعى الآن بقوة لتعزيز نفوذها في سوريا الجديدة، وهي تفعل ذلك عبر أدواتٍ متعددة أبرزها دعمها العسكري واللوجستي لهيئة تحرير الشام ولفصائلَ أخرى موالية لها مباشرة، بالإضافة إلى وجودها العسكري المباشر في مناطقَ واسعة من شمال سوريا تحت مسمى “المناطق الآمنة”. هذا النفوذ التركي المتصاعد له انعكاسات مباشرة على لبنان، حيث تحاول أنقرة استخدام نفوذها لدى بعض القوى السياسية اللبنانية، لا سيما في الوسط السني، والان مع حزب الله نفسه, كما أن سيطرتها على المعابر الحدودية السورية مع تركيا ونفوذها في مناطق شمال سوريا قد تمنحها رافعةً اقتصادية وسياسية يمكن استخدامها للتأثير على لبنان عبر التحكم بطرق التجارة وحركة الأشخاص والبضائع.

أما إسرائيل، فقد استغلت الفوضى التي أعقبت سقوط النظام السوري لتنفيذ أكبر عمليةٍ عسكرية لها في سوريا منذ حرب 1973، حيث شنّت ما بين 300 إلى 500 غارة جوية خلال الأيام القليلة الأولى التي تلت سقوط دمشق، مستهدفةً المنشآت العسكرية والمخازن وترسانة الأسلحة، في عمليةٍ وصفها محللون عسكريون بأنها دمّرت ما بين 80 إلى 90 بالمئة من القدرات العسكرية السورية الاستراتيجية. بالإضافة إلى ذلك، احتلت القوات الإسرائيلية مناطقَ إضافية في هضبة الجولان تتجاوز خطوط وقف إطلاق النار التاريخية، بما في ذلك السيطرة على قمة جبل الشيخ (حرمون) ذات الأهمية الاستراتيجية الكبيرة التي تطل على دمشق وبيروت معًا. هذا التمدد الإسرائيلي، رغم تبريره رسميًا بـ”اعتباراتٍ أمنية” وضرورة منع سقوط أسلحةٍ متطورة في أيدي جماعاتٍ متطرفة، يشكل تهديدًا استراتيجيًا طويل الأمد للمنطقة بأسرها، ولبنان بشكلٍ خاص الذي يرى في هذا التمدد محاولةً لفرض واقعٍ جديد يجعل من إسرائيل اللاعب الأقوى في المعادلة السورية، وهو ما قد يُستخدم لاحقاً كورقة ضغطٍ على لبنان في ملفاتٍ عالقة كترسيم الحدود البحرية أو مسألة حقول الغاز المتنازع عليها أو حتى في فرض شروطٍ تتعلق بنزع سلاح حزب الله.

أما الولايات المتحدة، فلها وجود عسكري مباشر في شمال شرق سوريا حيث تدعم قوات سوريا الديمقراطية (قسد) ذات الغالبية الكردية، وهي تبرر هذا الوجود بـ”محاربة بقايا داعش” و”منع عودة الإرهاب”. لكن الوجود الأمريكي له أيضًا أهداف استراتيجية أوسع تتعلق بمنع النفوذ الإيراني والروسي، وبالتأثير على مستقبل سوريا السياسي. هذا المثلث الإقليمي-الدولي (تركيا-إسرائيل-أمريكا)، المتنافس على النفوذ في سوريا، يجعل من المناطق الحدودية اللبنانية-السورية منطقة توترٍ محتملة، حيث يمكن أن تنعكس الصراعات بين هؤلاء اللاعبين على الأمن اللبناني مباشرة.

ملف اللاجئين: بعد أمني متفجر

ملف اللاجئين السوريين يضيف بعدًا أمنيًا إضافيًا وحساسًا إلى هذه المعادلة المعقدة. فوجود حوالي مليون ونصف لاجئٍ سوري في لبنان، يعيش معظمهم في ظروفٍ بالغة السوء في مخيماتٍ عشوائية أو في مساكنَ غير لائقة، يخلق بيئةً خصبة للتوتر الاجتماعي والأمني. من ناحية، هناك مخاوف لبنانية مشروعة من إمكانية تسلل عناصرَ متطرفة ضمن صفوف اللاجئين، خاصةً وأن الرقابة على هذه التجمعات السكانية شبه معدومة نظرًا لضعف قدرات الأجهزة الأمنية. ومن ناحيةٍ أخرى، فإن الدعوات المتزايدة للترحيل القسري للاجئين، رغم عدم أمان الأوضاع في سوريا كما توثقه منظمات حقوقية عديدة، قد تدفع بعض الشباب السوريين اليائسين نحو التطرف أو الانخراط في أنشطةٍ غير قانونية كوسيلةٍ للبقاء أو الدفاع عن النفس.

بعد مرور عامٍ على سقوط النظام السوري، عاد حوالي 400 ألف لاجئ إلى سوريا، معظمهم “طوعًا” وإن كانت الطوعية هنا نسبية في ظل الضغوط الاقتصادية والاجتماعية الهائلة التي يواجهونها في لبنان. لكن التقارير التي ترد من منظماتٍ حقوقية تشير إلى أن أوضاع العائدين ليست آمنة، حيث وُثّقت حالات احتجازٍ تعسفي وتعذيب واختفاءٍ قسري لعددٍ من العائدين، خاصةً أولئك الذين كانت لهم علاقات مع المعارضة أو الذين غادروا مناطق كانت تحت سيطرة النظام السابق. المرصد السوري لحقوق الإنسان أشار إلى مقتل أكثر من 11 ألف شخص في سوريا خلال عام 2025 نتيجة أعمال عنفٍ متفرقة، وهو ما يشير إلى أن البلاد لا تزال بعيدة كل البعد عن الاستقرار الأمني الذي يسمح بعودةٍ آمنة للاجئين.

من الناحية الأمنية البحتة، بقاء مليون لاجئ سوري أو أكثر في لبنان لسنواتٍ قادمة يشكل تحدياً هائلًا، خاصةً في ضوء التطورات في سوريا وصعود خطابٍ جهادي أكثر وضوحًا. فإذا ما تحولت سوريا فعلاً نحو نموذج “الدولة الإسلامية” بشكلٍ أوضح، فإن ذلك قد يحفز تياراتٍ متشددة داخل تجمعات اللاجئين السوريين في لبنان، خاصةً بين الشباب الذين لا يرون مستقبلاً لهم لا في لبنان (حيث يُعاملون كأغراب ويواجهون عنصرية وتمييزًا) ولا في سوريا (حيث الأوضاع الأمنية والاقتصادية متردية). هذا الخليط المتفجر من اليأس والتهميش والخطاب الأيديولوجي المتصاعد يمكن أن يشكل بيئةً خصبة لنمو التطرف التي هي اساسه رافعته الاستقطابية.

خلاصة القسم الأمني

بعد عامٍ من سقوط النظام السوري، يمكن القول بثقة إن الحدود اللبنانية-السورية أصبحت أقل أمانًا بكثير مما كانت عليه في عهد الأسد، رغم كل السلبيات التي كان ذلك العهد يحملها. ليس المقصود هنا الدعوة إلى حنينٍ للماضي، بل مجرد تقييمٍ موضوعي للواقع الأمني الحالي الذي يشير بوضوح إلى أن الفراغ الذي خلّفه سقوط النظام لم يُملأ بعد ببديلٍ مستقر ومسؤول، وأن لبنان يدفع ثمن هذا الفراغ أمنًا واستقرارًا. الأخطر من ذلك هو الانعكاس التام للمعادلة الأمنية: لبنان لم يعد “الخاصرة الرخوة” لسوريا، بل أصبح هو المهدد بالاختراق الأمني من الجانب السوري بفعل الفوضى والجماعات المسلحة والأيديولوجيات المتطرفة.

التحدي الأكبر الذي يواجه لبنان في هذا الملف هو كيفية التعامل مع سلطةٍ جديدة في دمشق تحمل خلفيةً جهادية، وما زالت في طور بناء مؤسساتها (أو ربما تفكيكها)، وتُظهر تذبذبًا واضحًا بين خطاب “الاعتدال” البراغماتي والياته التنفيذية الغائبة, وبين العودة إلى الجذور الأيديولوجية الجهادية، كما ظهر بوضوح في خطاب الذكرى السنوية الأولى. كيف يمكن إقامة آليات تنسيقٍ أمني مع جهةٍ كهذه دون الوقوع في فخ الثقة المفرطة بوعودٍ قد تكون مرحلية وتكتيكية؟ وكيف يمكن حماية الأمن القومي اللبناني في ظل انعكاس المعادلة الذي جعل من سوريا مصدر التهديد بدلاً من أن تكون لبنان هو “الخاصرة الرخوة”؟

هذه الأسئلة لا تحمل إجاباتٍ سهلة أو جاهزة، وتتطلب يقظةً أمنية مستمرة، وتعزيزًا حقيقيًا (وليس شعاراتيًا) لقدرات الجيش اللبناني، وسياسة حدودية واضحة ومدروسة، والأهم من ذلك كله: وعي لبناني عام بأن التهديد الأمني القادم من سوريا لم يعد “سياسيًا-أمنيًا” فقط كما كان في عهد الأسد، بل بات يحمل بعدًا “أيديولوجيًا-وجوديًا” قد يكون أصعب في المواجهة والاحتواء.

القسم الثاني: التداعيات السياسية – إعادة تشكيل المشهد وأزمة المحور

إذا كان البعد الأمني يمثل التهديد الأكثر مباشرةً وإلحاحًا، فإن البعد السياسي هو الأعمق والأبعد أثرًا على المديين القصير والطويل، إذ أن سقوط نظام الأسد لم يقتصر على خلق فراغٍ أمني على الحدود، بل أحدث زلزالاً سياسيًا أعاد ترتيب موازين القوى في لبنان بشكلٍ جذري وفتح الباب أمام إعادة تعريف العلاقات الإقليمية والتحالفات الداخلية. لفهم عمق هذا التحول، يجب العودة قليلاً إلى الوراء لاستحضار الدور المحوري الذي لعبه النظام السوري في تشكيل الواقع السياسي اللبناني على مدى عقود.

من الوصاية إلى الفراغ: تاريخ علاقة

منذ دخول القوات السورية إلى لبنان عام 1976، أصبحت دمشق اللاعب الأقوى والأكثر تأثيرًا في الساحة اللبنانية، حيث كان نظام الأسد الأب ومن بعده الابن يمارسان وصايةً شاملة على لبنان شملت كل مفاصل الحياة السياسية والأمنية والاقتصادية (كانت في اغلبها سعودية). كانت سوريا هي التي تقرر من يصل إلى الرئاسة ومن يُستبعد، ومن يحكم ومن يُقصى، ومتى تبدأ الحروب ومتى تنتهي. هذا النفوذ الطاغي بلغ ذروته في التسعينيات وأوائل الألفية الثالثة، حيث كانت المخابرات السورية تدير لبنان من خلف الستار، وأحيانًا من الأمام مباشرةً. رغم الانسحاب العسكري السوري عام 2005 تحت ضغط ثورة الأرز وقرار مجلس الأمن 1559، بقي النفوذ السياسي السوري حاضراً بقوة عبر شبكة من الحلفاء المحليين الأقوياء، وعلى رأسهم حزب الله الذي تحول إلى الذراع الأطول لسوريا وإيران في لبنان.

هذه المنظومة السياسية المعقدة التي استندت على المحور السوري-الإيراني انهارت فجأةً مع سقوط دمشق في ديسمبر 2024، تاركةً فراغًا سياسيًا هائلًا وفاتحةً المجال لإعادة تموضعٍ شاملة للقوى السياسية اللبنانية.

حزب الله: من قوة طاغية إلى موقف دفاعي

حزب الله، الذي كان يعتبر نفسه القوة الأقوى في لبنان بفضل ترسانته العسكرية الضخمة ونفوذه السياسي الطاغي، وجد نفسه فجأةً في أضعف موقفٍ له منذ تأسيسه في الثمانينيات. فالحرب التي خاضها ضد إسرائيل في 2024 أنهكته بشدة، حيث فقد عددًا كبيرًا من قياداته الميدانية والسياسية، بمن فيهم الأمين العام حسن نصر الله الذي اغتيل في غارةٍ إسرائيلية، كما دُمرت أجزاء ليست بقليلة من ترسانته الصاروخية وبنيته التحتية العسكرية، وسقط الآلاف من مناصريه ومقاتليه بين قتيلٍ وجريح. جاء سقوط النظام السوري بعد وقف اطلاق النار, هذه الحرب المدمرة ثم تلاها ضربةً استراتيجية ثانية للحزب، إذ فقد بذلك خط الإمداد الوحيد والحيوي الذي كان يربطه بإيران، وهو ما يعني فعليًا قطع شريان الحياة العسكري له.

يحاول الحزب التعامل مع هذا الواقع الجديد بخطابٍ يمزج بين الإنكار والتكيّف، والعمل على البدائل, حيث أعلن الأمين العام نعيم قاسم في أكثر من مناسبة أن الحزب “سيجد طرقاً بديلة” لتأمين احتياجاته، وأن “المقاومة باقية ومستمرة” رغم كل التحديات. لكن هذا الخطاب يبدو أقرب إلى التطمينات المعنوية منه إلى خططٍ واقعية قابلة للتنفيذ في المدى المنظور، إذ أن الجغرافيا السياسية لا تترك للحزب خياراتٍ كثيرة. فالطريق البري عبر سوريا كان الوحيد الممكن لنقل الصواريخ والأسلحة الثقيلة من إيران، وهو طريق أصبح الآن مقطوعًا نسبيًا في ظل سيطرة جماعاتٍ معادية للمحور الإيراني على مناطقَ واسعة من سوريا. أما الخيارات البديلة كالنقل الجوي فهي محفوفة بمخاطرَ هائلة في ظل السيطرة الإسرائيلية شبه الكاملة على الأجواء السورية واللبنانية والاستعداد لقصف أي محاولة إمداد، والنقل البحري ليس أفضل حالاً في ظل الحصار والمراقبة الدولية المشددة.

هذا الضعف الاستراتيجي الذي أصاب حزب الله انعكس بشكلٍ واضح على موقعه السياسي الداخلي، حيث بدأت قوى سياسية كانت تحسب حسابًا كبيرًا لقوته العسكرية تتجرأ على انتقاده بشكلٍ علني ومباشر أكثر من أي وقتٍ مضى.

القوى المعادية للمحور: نشوة مبكرة أم حذر استراتيجي؟

القوات اللبنانية، التي تعتبر نفسها الخصم التاريخي لحزب الله، رأت في هذا التحول فرصةً تاريخية لإعادة ترتيب المعادلة السياسية، حيث صعّدت من خطابها المطالب بـ”نزع سلاح حزب الله” و”بناء دولة القانون” و”استعادة قرار الحرب والسلم للدولة”. هذا الخطاب، الذي كان يُعتبر في السنوات الماضية مجرد شعاراتٍ خطابية لا يمكن تنفيذها في ظل قوة الحزب الساحقة، بدأ يكتسب زخمًا جديدًا في ظل الضعف الواضح الذي يعاني منه الحزب حاليًا، وإن كان يبقى السؤال مفتوحًا حول القدرة الفعلية على ترجمة هذه الشعارات إلى واقعٍ ملموس في ظل استمرار الانقسام اللبناني الحاد وضعف مؤسسات الدولة.

لكن السؤال الأكبر، هو: لماذا لم يزر سمير جعجع دمشق بعد السقوط؟ لماذا لم يسارع زعيم القوات اللبنانية والخصم اللدود لحزب الله والمحور الإيراني إلى الاحتفال بـ”النصر” على الأسد في عقر داره؟ ولماذا يتردد سعد الحريري وتيار المستقبل، رغم خطابهما المؤيد لسقوط النظام، في إقامة علاقاتٍ مباشرة مع السلطة الجديدة؟ ولماذا نرى حذرًا واضحًا من معظم القيادات المسيحية، حتى تلك التي عانت من الوصاية السورية لعقود؟

الصمت المُعبّر: خطر وجودي يلوح في الأفق

الجواب يكمن في كلمةٍ واحدة: الخطر الوجودي. هؤلاء القادة، رغم استفادتهم الظرفية الواضحة من ضعف حزب الله وانهيار المحور الإيراني، يدركون جيدًا أن البديل الذي حل محل نظام الأسد قد يكون أخطر وأشد فتكًا على المدى الطويل. فنظام الأسد، رغم كل قمعيته ووصايته، كان على الأقل نظامًا “علمانيًا” بالمعنى الواسع، أي أنه لم يكن يسعى لفرض نموذجٍ ديني على المجتمع، بل كان همه الأول الحفاظ على سلطته ونفوذه بأي ثمن. كان نظام الأسد يضطهد الجميع بالتساوي تقريبًا، دون تمييزٍ طائفي واضح (وإن كان يستخدم الطائفية كأداة سياسية). أما النظام الجديد في دمشق، فيحمل في جيناته مشروعًا أيديولوجيًا دينيًا واضحًا، حتى لو حاول إخفاءه مؤقتًا خلف براغماتية سياسية.

سمير جعجع، الذي قضى أحد عشر عاماً في السجن بتهمة معارضة الوجود السوري في لبنان، يعرف أكثر من غيره خطورة الوصاية بأشكالها المختلفة. لكن الفرق الحاسم هو أن الوصاية القديمة كانت “أمنية – سياسية” في جوهرها، أي أنها كانت تهدف للسيطرة على القرار السياسي والأمني, وهو حاول بدايةً التكيّف معها, وهو يعلم أيضًا ان نظام الأسد لا يسعى الى فرض نمطٍ حياتي أو ديني معين. بينما الخطر الجديد يحمل بعدًا “أيديولوجيًا – دينيًا” أعمق وأصعب في المواجهة، لأنه لا يكتفي بالسيطرة السياسية بل يسعى لتغيير نسيج المجتمع ذاته.

المسيحيون اللبنانيون، بكل تياراتهم، يتابعون بقلقٍ بالغ ما يجري للأقليات في سوريا الجديدة خلال العام الأول من حكم الجولاني. حادثة حرق شجرة عيد الميلاد في ديسمبر 2025، رغم محاولات الحكومة السورية الجديدة التبرير وادعاء أن الفاعل “مختل عقليًا”، أثارت قلقًا حقيقيًا في الأوساط المسيحية اللبنانية. كما يمكننا القول الى ان الصالونات السياسية والشعبية المسيحية بدأت تردد بجديّة : “من حقنا أن نتخوف… لا تزال الأجواء غامضة، وهناك تضارب وتناقض واضح بين الأقوال والأفعال”. هذا المشهد يذكّر المسيحيين اللبنانيين بما جرى في العراق بعد 2003، حيث تحول المسيحيون من مكونٍ أساسي في المجتمع العراقي (مليون ونصف تقريباً) إلى أقلية مضطهدة ومهددة، أدى إلى هجرةٍ جماعية قلصت وجودهم إلى أقل من 200 ألف خلال عقدين.

الأهم من ذلك هو التحول الواضح في خطاب الجولاني نفسه. ففي خطابه الأول بعد دخول دمشق في ديسمبر 2024، كان هناك قدر من “الاعتدال التقبلي” النسبي والوعود بـ”احترام التعددية” و”حماية الأقليات” لكن الممارسة كانت عكس ذلك من الاعلان الدستوري والانتخابات وطريقة الادارة والسياسة المالية … الخ . كما وأنه في خطاب الذكرى السنوية الأولى في ديسمبر 2025، تغيرت النبرة بشكلٍ واضح نحو خطابٍ أكثر “خلافية” وأيديولوجية دينية صريحة، مع الحديث عن “تطبيق شرع الله” و”عودة الأمة إلى مجدها” و”تحرير الأرض”. هذا التحول في الخطاب خلال عامٍ واحد فقط يشير إلى اتجاه الريح: الضغوط الداخلية من الفصائل المتشددة بدأت تتفوق على قدرة الشرع على الحفاظ على مظهر الاعتدال. وإذا كان هذا هو الحال في السنة الأولى، فماذا سيكون الوضع بعد ثلاث أو خمس سنوات؟

حتى القوى السنية في لبنان، التي يُفترض أنها الأقرب أيديولوجيًا أو مذهبيًا للسلطة الجديدة في دمشق، تبدي حذرًا ملحوظًا. الحريري وتيار المستقبل، رغم خطابهما الإيجابي العام تجاه “الثورة السورية”، يدركان جيدًا أن النموذج الجهادي الذي يمثله الجولاني يتناقض جذريًا مع النموذج “السني المعتدل” الذي حاولا تمثيله في لبنان طوال عقود. الخوف هو أن يؤدي صعود نموذجٍ جهادي “ناجح” في سوريا إلى تحفيز تياراتٍ متشددة داخل البيئة السنية اللبنانية، تطالب بـ”تطبيق” النموذج نفسه في لبنان، وهو ما سيعني نهاية المشروع السياسي “الحريري” برمته الذي قام على فكرة “الوسطية” و”التعايش” و”الاقتصاد المنفتح”. ولعل من المفارقات أن الحريري لم يُعلن نيته العودة الفعلية إلى الساحة السياسية رغم كل الدعوات من قاعدته، وهذا قد يكون مرتبطًا جزئيًا بعدم وضوح الصورة في سوريا والخوف من التورط في علاقةٍ مع نظامٍ قد يتحول لاحقًا إلى أكثر من “طالبان المشرق”.

وليد جنبلاط، رغم براغماتيته المعهودة وتهنئته المبكرة للجولاني، يدرك تمامًا أن موقع الدروز الجغرافي على تخوم سوريا ولبنان، وقربهم من المناطق الخاضعة لسيطرة الفصائل الجديدة، يجعلهم في موقفٍ حرج للغاية. جبل الدروز في سوريا شهد توتراتٍ مع الفصائل المسلحة خلال العام الأول، وهناك تقارير عن محاولاتٍ لفرض “قوانين إسلامية” على المناطق الدرزية، وهو ما يثير قلق جنبلاط من أن يكون الدروز اللبنانيون التالين على القائمة إذا ما تطورت الأمور في سوريا نحو مزيدٍ من التشدد.

هذا الصمت المُعبّر، أو الحذر الشديد، من معظم القيادات اللبنانية تجاه السلطة الجديدة في دمشق، يكشف عن حقيقةٍ قاسية: لبنان يشعر بأنه خرج من وصاية نظامٍ قمعي علماني ليجد نفسه على حدود مشروعٍ جهادي غامض، قد يكون أقل قابلية للتعامل والاحتواء من النظام السابق. الاستفادة الظرفية من ضعف حزب الله وتداعي المحور الإيراني لا تعمي هؤلاء القادة عن رؤية الخطر الاستراتيجي الأكبر الذي يلوح في الأفق. ولعل أفضل تعبيرٍ عن هذا القلق المكبوت هو غياب أي مبادرةٍ لبنانية حقيقية لبناء علاقةٍ قوية مع دمشق الجديدة، واكتفاء الجميع بخطابٍ دبلوماسي حذر ينتظر “ماذا سيحدث” قبل اتخاذ أي خطواتٍ جدية.

التيار الوطني الحر: حليف في أزمة

التيار الوطني الحر، الذي كان الحليف المسيحي الرئيسي لحزب الله منذ توقيع تفاهم مار مخايل عام 2006، وجد نفسه هو أيضًا في موقفٍ حرج. فمن جهة، ضعف حليفه الأقوى (حزب الله) يعني تلقائيًا ضعف موقعه في المعادلة السياسية، إذ أن جزءًا كبيرًا من نفوذ التيار كان مستمدًا من علاقته الوثيقة بالحزب وقدرته على “الوساطة” بين الحزب والمكونات المسيحية الأخرى. ومن جهةٍ أخرى، فإن الانتقادات المتصاعدة من الشارع المسيحي لاستمرار هذا التحالف في ظل التغيرات الإقليمية الكبرى تضعه أمام معضلةٍ حقيقية: الاستمرار في التحالف والمخاطرة بفقدان المزيد من القاعدة الشعبية، أو فك التحالف والمخاطرة بخسارة موقعه كلاعبٍ مركزي في المعادلة السياسية. حتى الآن، يبدو التيار مترددًا بين الخيارين، محاولاً المناورة بخطابٍ ملتبس يوازن بين الحفاظ على علاقته بحزب الله وبين تجنب الاصطدام المباشر مع المزاج العام المسيحي الذي بات أكثر ميلًا نحو الابتعاد عن المحاور الإقليمية.

إيران: الضربة الاستراتيجية والخيارات المحدودة

على صعيدٍ أوسع، يمثل سقوط نظام الأسد ضربةً قاصمة للمشروع الإيراني في المشرق العربي، أو ما بات يُعرف بـ”محور المقاومة”. فإيران كانت قد استثمرت عقوداً من الجهد والمال والنفوذ السياسي لبناء “جسرٍ بري” يربطها بلبنان عبر العراق وسوريا، وهو جسر كان يشكل شريان الحياة لحزب الله وللنفوذ الإيراني في شرق المتوسط. انهار هذا الجسر فجأةً مع سقوط دمشق، تاركاً إيران في موقفٍ استراتيجي بالغ الصعوبة، حيث فقدت ليس فقط حليفًا مهمًا بل أيضًا القدرة على الوصول المباشر إلى أهم أذرعها في المنطقة.

محاولات طهران للتواصل مع السلطة الجديدة في دمشق، كما تشير تقاريرُ متعددة، لم تُثمر عن نتائجَ ملموسة، خاصةً بعد التصريحات العدائية الواضحة من الشرع الذي اتهم في خطابه الأول نظام الأسد المخلوع بأنه “حوّل سوريا إلى مزرعة للأطماع الإيرانية”. هذا الخطاب المعادي صراحةً لإيران يضع سقفًا منخفضًا جدًا لأي إمكانيةٍ لإعادة بناء علاقاتٍ طبيعية بين دمشق الجديدة وطهران على المدى القريب على الأقل. الأسوأ من ذلك بالنسبة لإيران هو أن خطاب الشرع في الذكرى السنوية الأولى حمل نبرةً أكثر عداءً للمشروع الإيراني، حيث تحدث عن “تطهير المنطقة” و”عودة الأمة” بما يوحي برفضٍ واضح لأي دورٍ إيراني مستقبلي في سوريا. مع عدم اغفال ان تركيا لها كلمة بهذا الأمر, يبدو انها ستربك المشهد اكثر.

العلاقات اللبنانية-السورية الجديدة: بين الأمل والحذر

زيارة وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني إلى بيروت في أوائل ديسمبر 2025، وهي الأولى لمسؤولٍ رسمي من الحكومة السورية الجديدة، حملت إشاراتٍ إيجابية على المستوى الخطابي، حيث تحدث الشيباني عن “صفحة جديدة” في العلاقات اللبنانية-السورية قائمة على “احترام السيادة” و”عدم التدخل” و”تجاوز عقبات الماضي”. التقى مع الرئيس اللبناني جوزيف عون ومع عددٍ من المسؤولين، وكانت اللقاءات “ودية” وفق التوصيفات الرسمية.

لكن الاختبار الحقيقي لجدية هذه الوعود سيكون في الممارسة العملية وفي الملفات الشائكة العالقة بين البلدين. أبرز هذه الملفات هو ملف المعتقلين والمفقودين اللبنانيين في سجون النظام السابق، حيث يطالب لبنان بمعلوماتٍ دقيقة عن مصير آلاف اللبنانيين الذين “اختفوا” في السجون السورية منذ الحرب الأهلية اللبنانية، ومعظمهم من المعارضين للوجود السوري أو من الذين اتُهموا بـ”العمالة” لإسرائيل أو لقوى أخرى. رغم مرور عامٍ كامل على سقوط النظام، لم يتم الكشف بشكلٍ كامل عن مصير هؤلاء، وهو ما يثير الشكوك حول جدية السلطة الجديدة في التعامل مع هذا الملف الحساس إنسانيًا وسياسيًا.

الملف الثاني هو ملف الموقوفين السوريين في لبنان الذين تطالب دمشق بتسليمهم، وهم في معظمهم أشخاص لديهم ملفات قانونية في سوريا تتعلق بتهمٍ تتراوح بين “الإرهاب” و”التخابر” و”الانتماء لجماعاتٍ مسلحة”. لبنان يتردد في تسليمهم لأسبابٍ قانونية (عدم وجود اتفاقيات تسليم واضحة) وسياسية (الخوف من أن يكون بعضهم معارضين سياسيين حقيقيين وليسوا مجرمين)، وهو ما يخلق توترًا في العلاقة الناشئة.

لكن الملف الأكبر والأكثر رمزية هو ملف ترسيم الحدود البرية الذي بقي معلقًا منذ الاستقلال. سوريا لم تعترف رسميًا بترسيم الحدود مع لبنان طوال عقود، في إشارةٍ ضمنية إلى نظرتها للبنان كـ”جزء من سوريا او بلاد الشام”. هل ستقبل السلطة الجديدة في دمشق بترسيم الحدود واحترامها كدولةٍ ذات سيادة كاملة ومستقلة؟ هذا السؤال سيكون الاختبار الحقيقي لجدية الخطاب عن “الندية” و”احترام السيادة”.

غياب سفيرٍ سوري جديد في بيروت رغم مرور عامٍ على السقوط يعكس “هشاشة المرحلة الانتقالية” كما يصفها المحللون، ويشير إلى أن بناء علاقةٍ طبيعية بين البلدين سيكون عمليةً طويلة ومعقدة تحتاج إلى أكثر من مجرد تصريحاتٍ دبلوماسية.

خلاصة القسم السياسي

في خلاصة هذا القسم، يمكن القول إن التداعيات السياسية لسقوط النظام السوري على لبنان هي الأعمق والأبعد أثرًا من بين جميع الأبعاد الأخرى، إذ أنها تمس جوهر المعادلة السياسية الداخلية وتعيد طرح الأسئلة الكبرى حول هوية لبنان وموقعه الإقليمي ودوره ومستقبل صيغته السياسية.

الصورة السياسية بعد عامٍ من السقوط معقدة: حزب الله في حالة ضعف، القوى المعارضة له في أقوى حالاتها نظريًا لكنها حذرة عمليًا، إيران تواجه أكبر ضربة استراتيجية لمشروعها الإقليمي، والأهم من ذلك كله: الصمت المُعبّر من القيادات اللبنانية حول السلطة الجديدة في دمشق يكشف عن قلقٍ عميق من خطرٍ وجودي قد يكون أشد فتكًا من الوصاية القديمة.

لبنان اليوم أمام مفترق طرقٍ تاريخي: إما أن يستثمر هذه اللحظة النادرة لبناء دولةٍ حقيقية ذات سيادةٍ كاملة وقرارٍ مستقل ولعب دور بدل من أن يكون دائمًا متلقي، أو أن يستمر في دوامة الانقسام والتبعية لأجنداتٍ خارجية، مع الفارق أن التبعية القادمة قد تكون لمشروعٍ أيديولوجي ديني يهدد النسيج اللبناني ذاته، وليس فقط القرار السياسي.

القسم الثالث: التداعيات الاقتصادية – بين الوعود والواقع القاسي

على الصعيد الاقتصادي، تتراوح التداعيات بين فرصٍ محتملة قد تبدو واعدةً للوهلة الأولى، ومخاطرَ واقعية وتحدياتٍ هيكلية تجعل من الصعب تحقيق هذه الفرص في ظل الواقع اللبناني المنهار والأوضاع السورية الفوضوية. فمن جهة، يفتح انفتاح الحدود السورية نظريًا أمام لبنان إمكانية إعادة تنشيط الطرق التجارية التقليدية واستعادة دوره كمعبرٍ للتجارة بين الشرق والغرب، كما أن حجم الدمار الهائل في سوريا والحاجة الملحة لإعادة الإعمار تُقدَّر بمئات مليارات الدولارات، وهو ما يمثل نظريًا فرصةً ذهبية للشركات اللبنانية للمشاركة في هذه العملية الضخمة. لكن من جهةٍ أخرى، فإن الواقع أكثر قتامةً وتعقيدًا بكثير، إذ أن الأزمة الاقتصادية الخانقة التي يعيشها لبنان منذ 2019، بالإضافة إلى المنافسة الإقليمية الشرسة من دولٍ أقوى وأغنى، والأهم من ذلك كله: غياب الاستقرار الأمني والسياسي في سوريا، كلها عوامل تجعل من “الفرص الاقتصادية” أقرب إلى السراب منها إلى الواقع القابل للتحقيق.

طرق التجارة والمعابر الحدودية: فرصة مقيدة

لطالما كان لبنان يطمح إلى أن يكون “سويسرا الشرق” أو “بوابة المشرق”، أي المركز التجاري الذي تعبر عبره البضائع من أوروبا والبحر المتوسط إلى العمق العربي والخليج والعراق. هذا الطموح التاريخي كان محدودًا طوال عقود بسبب إغلاق الحدود العراقية-السورية وصعوبة العبور عبر سوريا في ظل نظام الأسد الذي كان يفرض قيودًا على حركة البضائع اللبنانية، بالإضافة إلى العقوبات الدولية على النظام السوري التي جعلت من الصعب استخدام الأراضي السورية كمعبرٍ تجاري. مع سقوط النظام، كان هناك أملٌ بأن تنفتح هذه الطرق وتصبح أكثر سهولةً ويسرًا.

فعليًا، شهدت الأشهر الأولى بعد سقوط النظام تحسنًا ملحوظًا في حركة البضائع عبر المعابر الحدودية اللبنانية-السورية، حيث أعادت السلطات الجديدة فتح معابرَ كانت مغلقة جزئيًا، وسهّلت إجراءات العبور، وألغت بعض الإتاوات التعسفية التي كان النظام السابق يفرضها. بعض التجار اللبنانيين أبلغوا عن تحسنٍ في إمكانية تصدير منتجاتهم إلى سوريا أو عبر سوريا إلى العراق والخليج، وهو ما بدا في البداية كمؤشرٍ إيجابي على إمكانية استعادة لبنان لدوره التجاري التقليدي.

لكن هذا التحسن الأولي سرعان ما اصطدم بواقعٍ أكثر تعقيدًا.

 أولاً، عدم الاستقرار الأمني في مناطقَ واسعة من سوريا يجعل من رحلة العبور محفوفةً بالمخاطر، حيث وُثّقت حالات سطوٍ مسلح على شاحناتٍ لبنانية في مناطقَ معينة، وحالات “فرض إتاوات” من قبل فصائلَ مسلحة محلية، وحتى حالات احتجازٍ مؤقت لسائقين لبنانيين لأسبابٍ غامضة. هذه المخاطر تجعل الكثير من التجار اللبنانيين يترددون في المجازفة بإرسال بضائعهم عبر سوريا، خاصةً البضائع ذات القيمة العالية.

ثانياً، البنية التحتية السورية مدمرة بشكلٍ كارثي. فالطرق السورية، التي كانت في حالةٍ سيئة أصلاً قبل الحرب، تعرضت لدمارٍ هائل خلال أربعة عشر عاماً من القتال، وهي الآن في حالةٍ يُرثى لها. الجسور المنهارة، الحفر العميقة، انعدام الصيانة، كلها تجعل من رحلة العبور بطيئةً ومكلفة للغاية. المعابر الحدودية نفسها تحتاج إلى إعادة تأهيلٍ شاملة، من البنية التحتية إلى الأنظمة الجمركية والإدارية. هذا الوضع يضيف تكاليفَ إضافية على التجار اللبنانيين، ويقلل من تنافسية منتجاتهم مقارنةً بطرقٍ بديلة كالأردن أو حتى النقل الجوي رغم كلفته الأعلى.

ثالثاً، وهذا ربما الأهم، المنافسة الإقليمية الشرسة على السيطرة على طرق التجارة. فتركيا، التي لعبت دورًا محوريًا في سقوط النظام السوري، تسعى بقوة للسيطرة على الطرق التجارية السورية وتحويل دمشق إلى “ملحقٍ اقتصادي” لأنقرة. الاستثمارات التركية في شمال سوريا كبيرة، والنفوذ التركي على السلطة الجديدة في دمشق واضح، وهو ما يعني أن القرارات التجارية والجمركية السورية قد تكون متأثرةً بالأجندة التركية أكثر من المصلحة اللبنانية. الأردن أيضًا يحاول استثمار الوضع الجديد لتعزيز دوره كمعبرٍ تجاري بديل، ولديه ميزة البنية التحتية الأفضل والاستقرار الأمني الأكبر. حتى العراق بدأ يفكر في طرقٍ بديلة لا تمر عبر سوريا بالضرورة، نظراً لعدم الاستقرار الأمني فيها.

في الحصيلة، فإن “فرصة” إعادة تنشيط الطرق التجارية عبر سوريا موجودة نظريًا، لكنها محدودة جدًا عمليًا في ظل التحديات الأمنية والبنيوية والتنافسية المذكورة أعلاه. لبنان قد يحصل على بعض الفوائد المحدودة، لكنه بالتأكيد لن يستعيد دوره التاريخي كـ”بوابة المشرق” في المدى المنظور.

إعادة إعمار سوريا: الحلم الكبير والواقع المرير

عندما تسمع رقماً كـ”200 إلى 400 مليار دولار” كتقديرٍ لتكلفة إعادة إعمار سوريا، يخطر ببالك فورًا الفرص الاقتصادية الهائلة التي يمكن أن يستفيد منها لبنان. فالقرب الجغرافي، والعلاقات التاريخية، والخبرة اللبنانية في قطاعات البناء والهندسة والخدمات المالية، كلها ميزات تؤهل لبنان نظريًا للحصول على نصيبٍ معتبر من كعكة إعادة الإعمار هذه. بعض المتفائلين اللبنانيين تحدثوا في الأشهر الأولى بعد السقوط عن “فرصةٍ ذهبية” قد تنقذ الاقتصاد اللبناني المنهار وتوفر عشرات آلاف فرص العمل للشباب اللبناني العاطل عن العمل.

لكن الواقع، كما هي العادة، أكثر قسوةً بكثير من الأحلام الوردية. أولاً وقبل كل شيء، من أين ستأتي هذه المئات من مليارات الدولارات؟ المجتمع الدولي، الذي كان يُعوَّل عليه كمصدرٍ رئيسي للتمويل، أبدى ترددًا واضحًا حتى الآن في ضخ أموالٍ ضخمة في سوريا. السبب الأول هو عدم الاستقرار السياسي والأمني، إذ أن المستثمرين والدول المانحة لا تريد أن تضع أموالها في بلدٍ ما زالت السلطة فيه غير مستقرة والمستقبل غامضًا. السبب الثاني، وهو الأهم ربما، هو الخلفية الجهادية للسلطة الحاكمة الجديدة، فرغم محاولات الجولاني تقديم نفسه كـ”براغماتي معتدل”، إلا أن خطابه المتذبذب، وخاصةً التحول الواضح نحو النبرة “الخلافية” في الذكرى السنوية الأولى، أثار قلق المجتمع الدولي من أن يتحول دعم إعادة الإعمار إلى تمويلٍ غير مباشر لنظامٍ جهادي قد يتحول لاحقًا إلى تهديدٍ أمني إقليمي أو حتى دولي.

حتى الدول العربية الخليجية، التي كان يُتوقع أن تكون المموّل الرئيسي لإعادة الإعمار، أبدت حذرًا واضحًا. السعودية والإمارات، رغم ترحيبهما المتأخر بسقوط نظام الأسد الموالي لإيران، لكنهما لا تبدوان متحمستين لضخ مليارات الدولارات في سوريا في ظل عدم الوضوح حول طبيعة النظام الجديد ومستقبله. قطر، التي دعمت الثورة السورية منذ بداياتها، تبدو أكثر استعدادًا للمساهمة، لكن قرارها التنفيذي غير واضح, كما أن تسخيرها لقدراتها المالية محدودة مقارنةً بحجم الحاجة الهائل وتخصيصه لسوريا.

ثانياً، حتى لو توفر التمويل بشكلٍ أو بآخر، فإن المنافسة على عقود إعادة الإعمار ستكون شرسةً للغاية، ولبنان في موقفٍ ضعيف جدًا في هذه المنافسة. تركيا، بحكم نفوذها السياسي والعسكري الهائل على السلطة الجديدة في دمشق، ستحصل بالتأكيد على الحصة الأكبر من العقود الضخمة. الشركات التركية موجودة فعليًا على الأرض منذ سنوات في شمال سوريا، ولديها خبرة وعلاقات وقدرات مالية ولوجستية تفوق بكثير ما يملكه لبنان. الإمارات والسعودية، إذا قررتا الدخول على خط إعادة الإعمار، ستشترطان بالتأكيد إسناد العقود الكبرى لشركاتها أو لشركاتٍ حليفة. حتى الصين، التي تراقب الوضع عن كثب، قد تحاول الدخول على الخط عبر مبادرة الحزام والطريق.

أما الشركات اللبنانية، فهي في وضعٍ بالغ الصعوبة. الأزمة الاقتصادية التي تعصف بلبنان منذ 2019 دمّرت القطاع الخاص بشكلٍ شبه كامل. البنوك اللبنانية، التي كانت تمول المشاريع الكبرى، مفلسة عمليًا وغير قادرة على تقديم أي تمويلٍ يُذكر. الشركات الكبيرة التي كانت تعمل في قطاع البناء والمقاولات إما أفلست أو هاجرت أو تعمل بطاقةٍ محدودة جدًا. الخبراء والكوادر اللبنانية الماهرة هاجر معظمها بحثًا عن فرصٍ أفضل في الخليج أو أوروبا أو أميركا. حتى على مستوى المشاريع الصغيرة والمتوسطة، فإن قدرة الشركات اللبنانية على المنافسة محدودة جدًا في ظل ارتفاع التكاليف التشغيلية في لبنان (كهرباء، وقود، نقل، رواتب) وعدم توفر التمويل.

ثالثاً، هناك عامل سياسي لا يمكن تجاهله: السلطة الجديدة في دمشق كما سيفرض عليها شروط سياسية من الدول ذات الملاءة المادية لإعادة الإعمار, هي ايضًا قد تربط عقود إعادة الإعمار عن طريق لبنان بمواقفَ سياسية (باعتبار لبنان الحلقة الأضعف). الشركات اللبنانية المرتبطة بأحزابٍ معينة، خاصةً تلك المعادية للثورة السورية أو الموالية لحزب الله، قد تُستثنى تمامًا. حتى الشركات “المحايدة” قد تواجه ضغوطًا للتموضع سياسيًا مقابل الحصول على عقود، وهو ما يخلق معضلةً أخلاقية وعملية للقطاع الخاص اللبناني.

في الحصيلة، الاحتمال الأرجح هو أن لبنان سيحصل على حصةٍ محدودة جدًا، تكاد تكون هامشية، من كعكة إعادة الإعمار السورية. ربما بعض الشركات الصغيرة والمتوسطة ستجد فرصاً محدودة في مشاريعَ ثانوية أو في توريد مواد بناء أو خدماتٍ متخصصة، لكن الحديث عن “فرصةٍ اقتصادية كبرى” أو “إنقاذ الاقتصاد اللبناني” عبر إعادة الإعمار السورية هو وهم كبير لا أساس له في الواقع.

التكلفة الاقتصادية للاجئين: عبء لا يُحتمل

على الجانب الآخر من المعادلة الاقتصادية، هناك التكلفة الهائلة لاستضافة حوالي مليون ونصف لاجئ سوري في لبنان، وهو رقم يشكل ما يقارب ثلث السكان اللبنانيين، في نسبةٍ لا مثيل لها في العالم. هذا العدد الضخم من اللاجئين يشكل عبئًا ماليًا واقتصاديًا واجتماعيًا هائلًا على بلدٍ يعاني أصلاً من انهيارٍ اقتصادي غير مسبوق.

من الناحية المالية المباشرة، فإن تكلفة توفير الخدمات الأساسية للاجئين (تعليم، صحة، مياه، صرف صحي، كهرباء) تُقدَّر بمليارات الدولارات سنويًا. البنية التحتية اللبنانية، التي كانت أصلًا متهالكة ومصممة لخدمة أربعة ملايين نسمة ولم تكن تكفيهم، أصبحت مثقلةً بخدمة أكثر من خمسة ملايين ونصف، وهو ما أدى إلى تدهورٍ حاد في جودة الخدمات لجميع المقيمين، لبنانيين ولاجئين على حدٍ سواء. شبكات المياه والكهرباء والصرف الصحي تعاني من ضغطٍ هائل، والمدارس والمستشفيات الحكومية غارقة تحت وطأة الأعداد الكبيرة.

المساعدات الدولية، التي كانت تغطي جزءًا من هذه التكاليف، تراجعت بشكلٍ كارثي في السنوات الأخيرة. فالمجتمع الدولي، الذي تعب من “الملف السوري” بعد أربعة عشر عامًا، بدأ يقلص تمويله للبرامج الإنسانية في لبنان. المفوضية السامية لشؤون اللاجئين تشتكي باستمرار من “نقص التمويل”، والبرامج الأممية تعمل بكفاءةٍ محدودة جداً. هذا يعني أن العبء يقع بشكلٍ متزايد على الدولة اللبنانية والمجتمع اللبناني، وهما أصلًا غير قادرين على تحمل هذا الثقل.

من ناحية سوق العمل، الصورة معقدة. فمن جهة، اليد العاملة السورية، التي تقبل بأجورٍ متدنية وبظروف عملٍ قاسية، ملأت فراغًا حقيقيًا في قطاعاتٍ معينة (البناء، الزراعة، التنظيفات، العمل المنزلي) كان من الصعب على اللبنانيين العمل فيها بالأجور المتدنية المعروضة. هذا ساعد بعض القطاعات الاقتصادية على الاستمرار، وساهم في خفض تكاليف الإنتاج في قطاعاتٍ معينة. لكن من جهةٍ أخرى، هذا خلق منافسةً شديدة على فرص العمل، خاصةً بالنسبة للبنانيين محدودي المهارة أو القادمين من خلفياتٍ اجتماعية فقيرة، الذين وجدوا أنفسهم يخسرون وظائفهم لصالح عمالٍ سوريين يقبلون بأجورٍ أقل. هذا أدى إلى ضغطٍ على الأجور نحو الأسفل، وإلى تدهورٍ في ظروف العمل بشكلٍ عام، إذ أن وجود يدٍ عاملة “رخيصة” ومستعدة للعمل في أي ظروف يشجع أرباب العمل على خفض المعايير وتقليص الحقوق.

الأسوأ من ذلك هو أن معظم العمالة السورية تعمل في “القطاع غير النظامي”، أي دون عقودٍ رسمية أو ضماناتٍ اجتماعية أو حتى تصاريح عمل قانونية. هذا يعني أن الدولة اللبنانية لا تستفيد حتى من إيراداتٍ ضريبية أو اشتراكاتٍ في الضمان الاجتماعي من هذه العمالة الضخمة، بينما تتحمل تكاليف وجودها. هذا القطاع غير النظامي الضخم يقوّض أيضاً القطاع النظامي ويخلق بيئةً من المنافسة غير العادلة.

مع العودة التدريجية لبعض اللاجئين (حوالي 400 ألف عادوا خلال العام الأول)، بدأت بعض القطاعات، خاصةً الزراعة والبناء، تشتكي من “نقص اليد العاملة”، وهو مؤشر على مدى اعتماد الاقتصاد اللبناني على العمالة السورية الرخيصة. هذا يخلق معضلةً جديدة: فمن جهة، اللبنانيون يطالبون بعودة اللاجئين السوريين، ومن جهةٍ أخرى، القطاعات الاقتصادية تحتاج هذه العمالة للاستمرار. الحل الأمثل كان يجب أن يكون تنظيم سوق العمل ورفع الأجور وتحسين الظروف لجذب العمالة اللبنانية، لكن هذا يتطلب إصلاحاتٍ هيكلية وإرادة سياسية غائبتين تمامًا.

خط الإمداد الإيراني: خسارة اقتصادية محدودة لكنها رمزية

من الناحية الاقتصادية البحتة، فإن قطع “خط الإمداد الإيراني” عبر سوريا كان له تأثير محدود نسبيًا على الاقتصاد اللبناني الأوسع، لكنه حمل دلالاتٍ رمزية وعملية لا يمكن تجاهلها. في عهد الأسد، كانت إيران تمد لبنان (وتحديدًا حزب الله والمناطق الموالية له) ببعض المنتجات والسلع، خاصةً الوقود، عبر الأراضي السورية. هذا الخط، وإن لم يكن رسميًا أو معلنًا بالكامل، ساعد في تخفيف بعض الأزمات، خاصةً أزمة الوقود التي عصفت بلبنان في 2021-2022، حيث أرسلت إيران شحناتٍ من الوقود عبر سوريا إلى لبنان، وقام حزب الله بتوزيعها بأسعارٍ مدعومة على مناطقه.

مع قطع هذا الخط، أصبح لبنان يعتمد كليًا على الاستيراد التقليدي للوقود والمنتجات النفطية، وهو ما يعني تكاليف أعلى وإمكانيات أقل للحصول على صفقاتٍ “تفضيلية” أو مدعومة. كذلك، كانت بعض البضائع الإيرانية (مواد غذائية، أدوية، سلع استهلاكية) تدخل إلى لبنان عبر سوريا، وهو خيار أصبح الآن صعبًا أو مستحيلًا. لكن بصراحة، حجم هذه التجارة لم يكن ضخمًا بما يكفي ليشكل عاملًا محوريًا في الاقتصاد اللبناني، وبالتالي فإن الخسارة الاقتصادية المباشرة محدودة.

لكن الدلالة الرمزية أكبر: قطع هذا الخط يعني أن حزب الله فقد أحد مصادر “الدعم الشعبي” التي كان يستخدمها، أي قدرته على تأمين سلعٍ أساسية بأسعارٍ مخفضة لجمهوره. هذا يضعف موقعه الاجتماعي والاقتصادي، ليس فقط العسكري والسياسي.

المال السياسي, الخادم الاقتصادي الخفي

كما أننا لا يمكن من هذا المدخل أن نغفل نقطة مهمة متعلقة بالشق الاقتصادي, وهو أن إيران مثلًا كانت داعمة لشريحة لبنانية كبيرة عن طريق حزب الله وبالتالي ادارته للمال السياسي الايراني, ايضًا بالمقابل المال السياسي لفريق 14 اذار قد توقف بشكل كبير أو قنن الى حد كبير, لبنان كان يعتمد بشكل مباشر لفترات معينية على المال السياسي, صحيح أنه كان خارج إطار المؤسسات الرسمية, الا أنه كان يزيل اعباء الدولة كانت المعنية بتوفيرها …

خلاصة القسم الاقتصادي

في الحصيلة، الصورة الاقتصادية بعد عامٍ من سقوط النظام السوري ليست ورديةً على الإطلاق بالنسبة للبنان. الفرص الموعودة (طرق التجارة، إعادة الإعمار) تبقى محدودةً جدًا وصعبة التحقيق في ظل الواقع اللبناني المنهار والتنافس الإقليمي الشرس وغياب الاستقرار في سوريا. أما التكاليف (اللاجئون، البنية التحتية المثقلة، سوق العمل المشوّه)، فهي واقعية وثقيلة وتزداد سوءاً مع الوقت.

لبنان لم يستفد اقتصاديًا من سقوط النظام السوري بقدر ما كان يأمل المتفائلون، ولن يستفيد في المستقبل القريب على الأقل بشكلٍ جوهري. الأولوية الآن يجب أن تكون إصلاح الاقتصاد اللبناني ذاته، وليس الرهان على “فرصٍ خارجية” قد لا تتحقق أبدًا.

القسم الرابع: التداعيات الاجتماعية – انقسام متجذر وهوية مأزومة

إذا كانت الأبعاد الأمنية والسياسية والاقتصادية تمثل التحديات “الظاهرة” و”القابلة للقياس” نسبيًا، فإن البعد الاجتماعي يمثل الجرح الأعمق والأصعب في العلاج، لأنه يمس نسيج المجتمع اللبناني ذاته، وهويته، وقدرته على التعايش، ومستقبله الديموغرافي والثقافي. سقوط نظام الأسد لم يكن مجرد حدثٍ سياسي بعيد، بل كان حدثًا “داخليًا” بمعنىً ما، لأن الانقسام السوري انتقل بكامل شحنته إلى المجتمع اللبناني، وعمّق الشروخ الطائفية الموجودة أصلًا، وأعاد طرح أسئلةٍ وجودية حول “من نحن؟” و”إلى أين نذهب؟” و”هل يمكننا العيش معًا؟”.

الديناميات الطائفية: تعزيز الانقسام

المشهد الذي رافق الذكرى السنوية الأولى لسقوط نظام الأسد في ديسمبر 2025 يختصر الكثير من الانقسام الاجتماعي اللبناني. ففي طرابلس وعكار والبقاع الشمالي وبعض أحياء بيروت ذات الغالبية السنية، خرجت مسيرات حاشدة تهتف لـ”سوريا الحرة” وترفع أعلام الثورة السورية وصور الجولاني، في احتفالٍ صاخب بـ”انتصار الثورة” على “النظام الطائفي الظالم”. الخطاب كان محمّلًا بنشوةٍ واضحة، وبشعورٍ بأن “العدالة انتصرت” وأن “المظلومين ثأروا” من نظامٍ قمعي دموي. لكن هذا الاحتفال لم يكن “سوريًا” فقط، بل كان يحمل بُعدًا لبنانيًا واضحًا، إذ أن الكثير من الهتافات والشعارات كانت موجهةً ضمنًا (وأحيانًا صراحةً) إلى حزب الله والمحور الإيراني في لبنان، في رسالةٍ واضحة مفادها: “لقد انتصرنا عليكم في سوريا، والدور قادم في لبنان”.

في المقابل، ساد الصمت والاستياء العميق في المناطق الموالية للمحور الإيراني، خاصةً الضاحية الجنوبية لبيروت والبقاع الأوسط وبعض مناطق الجنوب. حاولت عناصر من حزب الله وحركة أمل تنظيم فعالياتٍ مضادة في بعض المناطق، حيث رُفعت صور بشار الأسد وأعلام النظام السوري السابق، مع شعاراتٍ تُمجّد “المقاومة” وتهاجم “المتآمرين” و”الإرهابيين الجهاديين”. هذا الاستعراض المضاد لم يكن فقط رفضًا لسقوط الأسد، بل كان أيضاً محاولةً لاستعادة شيءٍ من الكرامة المجروحة والإصرار على أن “المقاومة لا تموت” رغم كل الهزائم.

هذا الاستقطاب الحاد حول قضيةٍ سورية، والذي وصل إلى حد المناوشات اللفظية والتوتر الميداني في بعض المناطق المختلطة، يشير بوضوح إلى أن الانقسام السوري انتقل بالكامل إلى الساحة اللبنانية، وأن لبنان بات ساحةً لاستمرار الحرب السورية بأشكالٍ جديدة، هذه المرة ليست عسكريةً بالضرورة، لكنها سياسية ونفسية وهوياتية بامتياز.

السنة: بين الابتهاج والقلق من البديل

البيئة السنية اللبنانية نسبيًا عاشت حالةً من الابتهاج الواضح بسقوط نظام الأسد، وهو أمر مفهوم تمامًا نظرًا لتاريخ العداء بين النظام السوري والسنة اللبنانيين خصوصًا بعد اغتيال رفيق الحريري، الذين عانوا من اغتيالاتٍ وقمعٍ واضطهاد طوال عقود الوصاية. سقوط النظام كان بمثابة “ثأرٍ تاريخي” لرفيق الحريري ولكل الذين سقطوا على يد الآلة الأمنية السورية. كما أن سقوط النظام يعني أيضاً ضعف حزب الله، وهو ما يُنظر إليه في البيئة السنية كفرصةٍ لإعادة التوازن السياسي في لبنان بعد سنواتٍ طويلة من الهيمنة “الشيعية-السورية” على القرار.

لكن هذا الابتهاج بدأ يختلط بالقلق مع مرور الأشهر، خاصةً بعد التحول الواضح في خطاب الجولاني نحو نبرةٍ أكثر “خلافية” وأيديولوجية دينية. السؤال الذي بدأ يُطرح في الأوساط السنية المعتدلة هو: ماذا سيحل محل الأسد؟ هل ستتحول سوريا إلى “دولة جهادية” على طراز طالبان أو داعش؟ وإذا حصل ذلك، كيف سينعكس على صورة السنة في المنطقة وفي لبنان تحديدًا؟ وهل سيؤدي نجاح “النموذج الجهادي” في سوريا إلى تحفيز تياراتٍ متشددة داخل البيئة السنية اللبنانية؟

هذا القلق ليس مجرد هواجسَ نظرية، بل له ما يبرره في الواقع. فقد لُوحظ خلال العام الأول بعد السقوط ظهور خطابٍ أكثر تشددًا في بعض المساجد والمنابر الدينية في المناطق السنية، حيث بدأ بعض الخطباء يمجّدون “الفتح الإسلامي” في سوريا ويتحدثون عن “عودة الخلافة” و”نصر الإسلام” بلغةٍ تذكّر بخطاب الجماعات الجهادية التقليدي. هذا الخطاب، وإن بقي محدوداً ولم يتحول إلى ظاهرةٍ واسعة، إلا أنه مقلق، لأنه يشير إلى إمكانية “تصدير” الأيديولوجيا الجهادية من سوريا إلى لبنان عبر الخطاب الديني والاجتماعي.

الشيعة: صدمة وجودية وإحساس بالحصار

البيئة الشيعية اللبنانية، خاصةً تلك الموالية لحزب الله، عاشت حالةً من الصدمة العميقة مع سقوط نظام الأسد. فالنظام السوري لم يكن مجرد “حليف سياسي” للحزب وللمحور الإيراني، بل كان جزءاً لا يتجزأ من “الهوية المقاومة” التي بُني عليها خطاب الحزب طوال عقود. النظام السوري كان “الظهر الآمن” و”العمق الاستراتيجي” و”طريق الإمداد” و”الشريك في المواجهة”، وسقوطه يعني فقدان كل ذلك مرةً واحدة.

الإحساس السائد في البيئة الشيعية الآن هو إحساس بـ”الحصار” و”التآمر الإقليمي” و”الظلم التاريخي”. الخطاب السائد في المنابر الموالية للحزب يتحدث عن “مؤامرة كونية” استهدفت “المقاومة” و”المشروع المناهض لإسرائيل”، وأن سقوط الأسد كان مجرد “حلقة في سلسلة” تهدف لتفكيك المحور الإيراني وإضعاف حزب الله تمهيدًا للقضاء عليه. هذا الخطاب، رغم طابعه الدفاعي والمحمّل بالإنكار، يعكس أزمةً حقيقية في الوعي الجماعي لهذه البيئة، التي كانت معتادةً على خطاب “النصر” و”القوة” و”الردع”، ووجدت نفسها فجأةً أمام واقعٍ من “الهزائم المتتالية” و”الانكشاف الاستراتيجي”.

الأخطر من ذلك هو الإحساس بـ”الخطر الوجودي” الذي بدأ يتسرب إلى هذه البيئة. فإذا كان “المشروع الجهادي” في سوريا ينجح ويتوسع، فماذا يعني ذلك للشيعة اللبنانيين؟ هل سيكونون التالين على القائمة؟ التجربة التاريخية مع الجماعات الجهادية (من القاعدة إلى داعش) تُظهر أنها تعتبر الشيعة “مرتدين” و”أعداء” يجب قتالهم قبل حتى “الكفار”، وهذا يثير مخاوفَ حقيقية من أن يتحول الصراع مع سوريا الجديدة إلى صراعٍ طائفي مباشر, اضافة الى انهم باتوا يشعرون بأنهم محاصرون من جهة سوريا الجديدة وإسرائيل وذلك بإزدياد الضغط الداخلي لخصوم البيئة الشيعية.

حاولت قيادة حزب الله التعامل مع هذه المخاوف عبر خطابٍ “تطميني” يؤكد على “استمرار المقاومة” و”الصمود” و”إيجاد بدائل”، لكن هذا الخطاب يبدو مهتزاً وغير مقنع حتى لقاعدة الحزب نفسها، التي تدرك جيداً حجم الخسارة الاستراتيجية.

المسيحيون: قلق متجدد من مصير الأقليات

الطائفة المسيحية اللبنانية، بكل تياراتها السياسية والاجتماعية، تعيش حالةً من القلق العميق والمتصاعد إزاء التحولات في سوريا. هذا القلق له جذور تاريخية وحاضرة: تاريخيًا، المسيحيون في المشرق عاشوا تجاربَ مؤلمة مع صعود الحركات الإسلامية المتشددة، من مذابح الأرمن في تركيا إلى اضطهاد المسيحيين في العراق بعد 2003 والتهجير القسري الذي قلّص وجودهم من مليون ونصف إلى أقل من 200 ألف. أما في الحاضر، فإن ما يجري في سوريا خلال العام الأول من حكم الجولاني يعزز هذه المخاوف بدلًا من تبديدها.

اضافة الى التناقض الفاقع بين “الوعود” و”الأفعال” هو جوهر المشكلة. فالجولاني وقيادة هيئة تحرير الشام يطلقون باستمرار تصريحاتٍ عن “احترام الأقليات” و”حماية المسيحيين” و”حرية ممارسة الشعائر”، لكن على أرض الواقع، هناك تقارير متواترة عن “ضغوط اجتماعية” على المسيحيين في بعض المناطق، من فرض “قواعد لباس” على النساء المسيحيات إلى محاولات “أسلمة” الفضاء العام عبر رفع الأذان بصوتٍ عالٍ في مناطقَ مسيحية أو منع بيع الكحول أو حتى محاولات شراء عقاراتٍ مسيحية بأسعارٍ مغرية لدفع المسيحيين للهجرة. هذه الممارسات، التي قد تبدو “صغيرة” أو “فردية”، تُقرأ من قبل المسيحيين كجزءٍ من استراتيجية “تهجير ناعم” هدفها تفريغ المناطق من المسيحيين تدريجيًا.

الأخطر من ذلك هو التحول الواضح في خطاب الجولاني من الاعتدال النسبي في خطابه الأول إلى النبرة “الخلافية” في خطاب الذكرى السنوية. هذا التحول يُقرأ من قبل المسيحيين كدليلٍ على أن “القناع البراغماتي” بدأ يسقط، وأن “الجولاني الحقيقي” الجهادي المتشدد يعود تدريجياً إلى الواجهة. السؤال الوجودي الذي يطرحه المسيحيون اللبنانيون الآن هو: إذا كان هذا هو الحال في السنة الأولى، فماذا سيكون الوضع بعد سنوات؟ هل سنشهد “أفغانستان جديدة” في بلاد الشام، حيث تُمنع الأقليات من ممارسة شعائرها علنًا أو تُفرض عليها قوانين إسلامية صارمة؟

هذا القلق ليس مجرد “تخوفات نفسية”، بل له تداعيات عملية واضحة: تسارع وتيرة الهجرة المسيحية من لبنان، خاصةً بين الشباب والعائلات القادرة ماليًا. الخوف من “مستقبل مظلم” في ظل صعود المشروع الجهادي في الجوار يدفع الكثيرين إلى البحث عن فرصٍ للهجرة إلى أوروبا أو أميركا أو أستراليا. هذه الموجة الجديدة من الهجرة، مضافةً إلى موجات الهجرة السابقة، تهدد بتقليص الوجود المسيحي في لبنان إلى نسبٍ متدنية جداً خلال العقود القادمة، وهو ما قد يعني نهاية لبنان كما عرفناه: البلد الوحيد في المشرق حيث للمسيحيين دور سياسي واجتماعي فاعل ومحوري.

الدروز: حذر وجودي وتوازنات دقيقة

الطائفة الدرزية، رغم صغر حجمها (حوالي 5% من السكان اللبنانيين)، تحتل موقعًا استراتيجيًا جغرافيًا وسياسيًا، خاصةً في منطقة الشوف وجبل لبنان والجنوب الغربي. وليد جنبلاط، الزعيم التاريخي للطائفة، أبدى “براغماتية” واضحة في التعامل مع الواقع الجديد، حيث سارع إلى تهنئة الجولاني بـ”النصر” وأكد على أهمية “الحفاظ على وحدة الأراضي السورية” ورفض أي “مشاريع تقسيم”. هذا الموقف الاستباقي يعكس الحس السياسي العالي لدى جنبلاط، الذي يدرك أن موقع الدروز الجغرافي على تخوم سوريا ولبنان، وقربهم من المناطق الخاضعة لسيطرة الفصائل الجديدة، يفرض عليهم التعامل بحذرٍ شديد والحفاظ على قنوات اتصالٍ مفتوحة مع جميع الأطراف.

لكن هذه “البراغماتية” لا تخفي القلق العميق الذي تعيشه الطائفة الدرزية إزاء المستقبل. فجبل الدروز في سوريا، وهو منطقة ذات أغلبية درزية ساحقة، شهد خلال العام الأول بعد السقوط توتراتٍ مع الفصائل المسلحة المسيطرة على المناطق المجاورة. هناك تقارير عن محاولاتٍ لفرض “قوانين إسلامية” على بعض المناطق الدرزية، وعن اشتباكاتٍ محدودة بين مسلحين دروز ومقاتلين من الفصائل الجهادية، وعن خطابٍ طائفي معادٍ للدروز في بعض المنابر الإسلامية المتشددة التي تصف الدروز بـ”الكفار” أو “المرتدين”.

هذا الوضع في سوريا يثير قلق الدروز اللبنانيين من أن يكونوا “التالين على القائمة” إذا ما تطورت الأمور نحو مزيدٍ من التشدد في سوريا. التجربة التاريخية مع الجماعات الجهادية تُظهر أنها لا تعترف بالدروز كـ”أهل كتاب” (على عكس المسيحيين واليهود)، بل تعتبرهم “مشركين” يجب “قتالهم” أو إجبارهم على “الدخول في الإسلام”. هذا يضع الدروز في موقفٍ أكثر خطورةً حتى من المسيحيين في حال تحول سوريا إلى دولةٍ جهادية متشددة.

استراتيجية جنبلاط الحالية تقوم على محاولة الحفاظ على توازناتٍ دقيقة: علاقات جيدة مع السلطة الجديدة في دمشق دون تورطٍ عميق، والحفاظ على علاقاتٍ مع جميع القوى اللبنانية، والتأكيد على “الهوية العربية” للدروز مقابل أي محاولاتٍ لـ”تطييفهم” أو عزلهم. لكن هذه الاستراتيجية تبقى هشةً وتعتمد على “حسن نوايا” السلطة السورية الجديدة، وهو أمر لا يمكن التعويل عليه في ظل الخطاب المتذبذب والتحول نحو التشدد.

مستقبل اللاجئين: بين الاندماج المستحيل والعودة غير الآمنة

ملف اللاجئين السوريين في لبنان هو أحد أكثر الملفات تعقيدًا وحساسيةً على المستوى الاجتماعي. فوجود مليون ونصف لاجئ (أو أكثر حسب بعض التقديرات) في بلدٍ يبلغ عدد سكانه حوالي أربعة ملايين يخلق ديناميكياتٍ اجتماعية واقتصادية وديموغرافية وثقافية معقدة للغاية.

بعد مرور عامٍ على سقوط النظام، عاد حوالي 400 ألف لاجئ إلى سوريا، معظمهم “طوعًا” وإن كانت الطوعية نسبية في ظل الضغوط الاقتصادية والاجتماعية الهائلة التي يواجهونها في لبنان. لكن هذا يعني أن حوالي مليون لاجئ ما زالوا في لبنان، ومعظمهم لا يبدو أنه سيعود في المستقبل القريب، إما لأن أوضاع مناطقهم الأصلية ما زالت غير آمنة، أو لأنهم فقدوا منازلهم وممتلكاتهم، أو لأنهم يخافون من الملاحقة الأمنية (الكثيرون كانوا معارضين للنظام أو منشقين أو لهم أقارب في صفوف الفصائل المعارضة)، أو حتى لأن أبناءهم ولدوا وكبروا في لبنان ولم يعد لديهم أي ارتباطٍ حقيقي بسوريا.

الخيار الأول، وهو الاندماج، يبدو مستحيلًا سياسيًا واجتماعيًا واقتصاديًا. فمن الناحية السياسية، جميع الأحزاب اللبنانية تقريبًا، من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار، ترفض فكرة “التوطين” أو حتى “منح الجنسية” للاجئين السوريين، خوفًا من أن يؤدي ذلك إلى “تغيير الديموغرافيا” اللبنانية وبالتالي “اختلال التوازن الطائفي” الدقيق الذي يقوم عليه النظام السياسي. هذا الرفض ليس مقتصرًا على طائفةٍ معينة، بل هو موقف وطني عام يجمع المسيحيين والشيعة والدروز وحتى الكثير من السنة.

من الناحية الاجتماعية، هناك توترات واضحة بين اللبنانيين واللاجئين السوريين، تتراوح من التمييز في التعامل إلى الخطاب العنصري إلى حوادث عنفٍ متفرقة. اللاجئون يُلامون على “كل شيء”: ارتفاع الإيجارات، انخفاض الأجور، تدهور الخدمات، الجريمة، الفوضى، حتى الأزمة الاقتصادية ذاتها يُلقى جزء من مسؤوليتها عليهم. هذا الخطاب، رغم أنه غير عادلٍ في كثيرٍ من جوانبه (إذ أن الأزمة اللبنانية لها أسباب هيكلية أعمق بكثير من وجود اللاجئين)، إلا أنه منتشر على نطاقٍ واسع ويجعل من فكرة “الاندماج” أو “التعايش طويل الأمد” شبه مستحيلة اجتماعيًا.

الخيار الثاني، وهو العودة، يبدو صعبًا وخطيرًا في ظل الأوضاع الحالية في سوريا. فرغم سقوط النظام، إلا أن سوريا لا تزال بعيدة كل البعد عن الأمان والاستقرار. التقارير الحقوقية توثق باستمرار انتهاكاتٍ بحق العائدين، من احتجازٍ تعسفي إلى تعذيب إلى اختفاءٍ قسري، خاصةً لأولئك الذين لهم ملفات سياسية أو أمنية. المرصد السوري لحقوق الإنسان أشار إلى مقتل أكثر من 11 ألف شخص في سوريا خلال عام 2025 في أعمال عنفٍ متفرقة، وهو رقم يشير إلى أن البلاد ما زالت في حالة صراعٍ وفوضى، وإن كان بحدةٍ أقل من سنوات الحرب الأهلية.

بالإضافة إلى ذلك، البنية التحتية في سوريا مدمرة تمامًا، والخدمات الأساسية (كهرباء، ماء، صحة، تعليم) شبه معدومة في مناطقَ واسعة، والاقتصاد منهار، وفرص العمل نادرة جدًا. العودة إلى سوريا في هذه الظروف تعني العودة إلى بؤسٍ مدقع وحياةٍ بالغة الصعوبة، وهو ما يجعل الكثير من اللاجئين يفضلون البقاء في لبنان رغم كل المعاناة التي يواجهونها هنا، لأنها على الأقل “أفضل من العودة إلى العدم”.

السيناريو الأرجح هو استمرار الوضع الحالي مع تدهورٍ تدريجي: عودة بطيئة ومحدودة لأعدادٍ من اللاجئين (ربما 100-200 ألف إضافيين خلال السنوات القليلة القادمة)، وبقاء شريحة كبيرة (ربما 700 ألف أو أكثر) لسنواتٍ طويلة قادمة، وتدهور مستمر في ظروف حياتهم في ظل تراجع المساعدات الدولية وتصاعد العداء الاجتماعي اللبناني تجاههم، مع احتمالات اندلاع توتراتٍ وحوادث عنف متفرقة بين اللاجئين والمجتمع المحلي.

التأثيرات الثقافية والهوياتية: إعادة تعريف “لبنان”

على مستوىً أعمق، يطرح سقوط النظام السوري وما تلاه من تحولات أسئلةً وجودية حول الهوية اللبنانية ذاتها. فلعقود، كان جزء من الخطاب الوطني اللبناني يُعرّف لبنان بـ”ما هو ليس”: ليس سوريًا، ليس إسرائيليًا، ليس تابعاً لأحد. كانت “المقاومة للوصاية السورية” أحد عناصر الهوية الوطنية للكثير من اللبنانيين، خاصةً بعد ثورة الأرز 2005. لكن الآن، مع زوال هذه الوصاية، يُطرح السؤال: من نحن إذاً؟ ما هو لبنان؟

هل هو “البلد العربي المنفتح” الذي يجمع بين الشرق والغرب؟ أم “الملجأ الأخير للمسيحيين في المشرق”؟ أم “نقطة الارتكاز للمقاومة ضد إسرائيل”؟ أم “المركز المالي والتجاري”؟ أم “التجربة الديمقراطية الفريدة”؟ كل طائفة، بل كل تيار سياسي، لديه تعريفه الخاص للبنان، وهذه التعريفات المتناقضة تجعل من الصعب بناء “هوية وطنية” جامعة.

سقوط النظام السوري وصعود مشروعٍ جهادي على الحدود يعمّق هذه الأزمة الهوياتية. فالبعض يرى في ذلك “فرصة” لإعادة تعريف لبنان كـ”بلد السيادة الكاملة” المتحرر من جميع الوصايات، بينما يرى آخرون في ذلك “تهديدًا وجوديًا” قد يؤدي إلى “ابتلاع” لبنان من قبل المشروع الجهادي المحيط به. هذا الانقسام الحاد حول قراءة المستقبل يعكس غياب “رؤية وطنية” مشتركة، وهو أخطر ما يواجهه لبنان اليوم.

خلاصة القسم الاجتماعي

البعد الاجتماعي ربما هو الأكثر خطورةً من بين جميع التداعيات، لأنه يمس نسيج المجتمع اللبناني ذاته وقدرته على الاستمرار كمجتمعٍ واحد. الانقسام الطائفي تعمّق بشكلٍ مقلق، والتوترات بين المكونات المختلفة تتصاعد، وملف اللاجئين يشكل قنبلةً موقوتة اجتماعية واقتصادية، والأخطر من ذلك كله: غياب أي “رؤية وطنية جامعة” أو “مشروع مشترك” يمكن أن يجمع اللبنانيين حول هدفٍ واحد.

لبنان يعيش اليوم أزمة هوية عميقة، وسقوط النظام السوري وما تلاه من تحولات عمّق هذه الأزمة بدلًا من حلها. السؤال الوجودي هو: هل يمكن للبنان أن يبقى “لبنان” في ظل هذه التحديات الهائلة؟ أم أننا نشهد بداية نهاية التجربة اللبنانية كما عرفناها؟

الخلاصة العامة

بعد هذه الرحلة المطولة عبر التداعيات متعددة الأبعاد لسقوط النظام السوري على لبنان، نصل إلى محطة التقييم الشامل والاستشراف المستقبلي. لقد حاولنا عبر الأقسام السابقة تقديم صورةٍ دقيقة وواقعية، بعيداً عن التفاؤل الساذج أو التشاؤم المفرط، لما يعنيه هذا التحول التاريخي بالنسبة للبنان على مختلف الأصعدة.

الحصيلة بعد عام: بين المكاسب المحدودة والمخاطر المتصاعدة

إذا أردنا تلخيص الصورة بعد عامٍ كامل من سقوط النظام السوري، يمكننا القول إن لبنان اليوم ليس أكثر أمانًا، لكنه نظريًا أكثر حرية. هذا التلخيص، رغم بساطته الظاهرية، يحمل معانٍ عميقة.

خلاصة الخلاصة

سقوط نظام الأسد لم يكن نهاية القصة، بل كان بداية فصلٍ جديد مليء بالمجهول والمخاطر والفرص على حدٍ سواء. لبنان، الذي عانى طويلاً تحت وطأة الوصاية السورية، يملك اليوم فرصةً نادرة لاستعادة سيادته الكاملة وبناء دولةٍ حقيقية فاعلة ولاعبة، لكن هذه الفرصة محاطة بمخاطرَ جدية: الفوضى الأمنية، صعود المشروع الجهادي، التنافس الإقليمي، والأخطر من ذلك كله: الانقسام الداخلي العميق الذي يهدد بتفكيك النسيج اللبناني ذاته.

خطاب الجولاني، بتحوله الواضح من النبرة “المعتدلة” نسبياً في الخطاب الأول إلى النبرة “السلامية الصرفة” في الذكرى السنوية الأولى، يجب أن يكون جرس إنذار قوي ومدوّي. إعادة تأهيل الجماعات الجهادية ليست “نجاحًا دبلوماسيًا”، بل هي سابقة خطيرة تهدد بتقويض كل الجهود الدولية لمكافحة التطرف وتفتح الباب أمام موجةٍ جديدة من العنف الأيديولوجي.

لبنان، والمنطقة بأسرها، أمام خيارٍ واضح: إما استثمار هذه اللحظة التاريخية لبناء مستقبلٍ أفضل قائم على الدولة المدنية واحترام السيادة والتعايش بين المكونات، أو الانزلاق إلى دوامةٍ جديدة من الفوضى والتطرف والصراعات التي لن تُبقي ولن تذر.

الوقت ليس في صالح أحد، والتردد قد يكون أكثر خطورةً من الخطأ. لبنان بحاجةٍ عاجلة إلى قيادةٍ شجاعة وحكيمة، وإلى شعبٍ واعٍ وقادر على محاسبة قياداته، وإلى دعمٍ إقليمي ودولي حقيقي، وإلى إرادةٍ جماعية للتغيير. بدون هذه العناصر مجتمعة، فإن المستقبل يبدو قاتمًا ومقلقًا.

السؤال الأخير، الذي يجب أن يطرحه كل لبناني على نفسه، هو: ما الذي سأفعله أنا، شخصيًا، للمساهمة في بناء لبنان الدولة، بدلاً من الاستمرار في تكرار أخطاء الماضي؟

الجواب على هذا السؤال هو ما سيحدد مصير لبنان في السنوات القادمة.

هذه الدراسة الموجزة تعتمد على قراءة تاريخية معمًقة لإرتباط سوريا ولبنان بعضهما ببعض وتحاكي بإيجاز المشكلات المترسبة تاريخيًا, كما انها تعتمد على معلومات ثابتة ومصادر موثوقة, عُمِل على تحليلها بمنهجية علمية صرفة, وهدفها طرد “حالة الانكار الجمعي اللبناني” عبر التشخيص الدقيق للتحديات واضافة تصور شامل على الواقع الجيوسياسي المعاش.

الدراسة الموجزة حاولت وضع الحقائق العلمية كبوصلة للاستقراء التاريخي والاني والمستقبلي.

جميع الحقوق محفوظة لمركز كلمة للبحوث والدراسات الجيوسياسية 2025©

أضف تعليق

error: Content is protected !!